عملاء أم ضحايا التاريخ؟!

(أخبار اليوم) تفتح ملف مزدوجي الجنسية
***
ـ المادة 51 من مشروع الدستور الجديد.. نقطة فاصلة في تاريخ الجزائر
ـ مئات الآلاف من الجزائريين سيُحرمون من تقلّد مناصب عليا.. بسبب الجنسية

شكّلت المادة 51 من مشروع الدستور الجديد حدثا استثنائيا في الجزائر وصنعت جدلا حادّا بعدما أقرّت بمنع مزدوجي الجنسية من تقلّد المناصب العليا في الدولة وهو ما أثار سخط العديد سواء كانوا سياسيين على رأسهم الأمين العام لحزب الأفلان أو من أفراد الجالية في الخارج واعتبروها تمييزا رهيبا للدولة ضد فئة مهمّة من المجتمع خاصّة وأن آخر الإحصائيات تشير إلى وجود أكثر من 600 ألف جزائري مزدوج الجنسية في الوقت الذي رحّب فيه بها البعض الآخر واعتبرها فرصة لدعم الكفاءات الوطنية ووضع حدّ لفرض المصالح الأجنبية على مصلحة الوطن والتي يرى البعض أنها قد ترتقي إلى الخيانة.
تشير تقديرات شبه رسمية إلى أن عدد الجزائريين مزدوجي الجنسية من الذين يحملون جنسية أجنبية بالإضافة إلى الجنسية الجزائرية وخاصّة الفرنسية تجاوز أواخر سنة 2010 أكثر من 600 ألف جزائري في ظلّ غياب إحصائيات دقيقة في حين تشير التقارير إلى لجوء شخصيات ورجال أعمال سياسيين وزراء وحتى معارضين وإعلاميين للحصول على الجنسية الفرنسية خلال الفترة الأخيرة وهو ما فتح الباب لتتعالى أصوات شخصيات وطنية وسياسية لتحذّر من خطرهم على أمن واقتصاد البلاد بحكم تغلغلهم داخل دواليب الإدارة وكبرى المؤسّسات العمومية والاقتصادية. وقد أراد الرئيس بوتفليقة من خلال الدستور الجديد وضع حدّ لهذه المخاطر من خلال إصراره على إدماج هذه المادة لأن التجنّس بجنسية ثانية هو خيار وليس أمرا مفروضا وأن على الذين اختاروا ذلك تحمّل مسؤولياتهم والتخلّي عن مناصب المسؤولية وغلق أبواب التساؤلات عن الولاء لمن يكون للدولة التي جعلت هذا المسؤول يكتسب جنسيتها لأنها جنسية آبائه وأجداده أم للدولة التي اختار أن يحصل منها على جنسية ثانية؟

هكذا بدأ الجزائريون يتجنّسون بجنسيات أجنبية
أكّد الدكتور عامر رخيلة العضو السابق في المجلس الدستوري والباحث في تاريخ الحركة الجزائرية في تصريح لـ (أخبار اليوم) أن مسألة ازدواج الجنسية في الجزائر ظهرت مع مطلع القرن العشرين طبقا لقانون (سينابيست كونسبت 1865) الذي كان يشترط لنيل الجنسية الفرنسية التخلّي عن المعتقد الديني لأن المشرّع الفرنسي ربط في هذا القانون البعد الديني بالبعد الوطني أي الهوية وكثير من الجزائريين رفضوا ذلك ما جعل السلطات الإدارية الفرنسية تتخلّى عن هذا الطرح وفتحت باب التجنّس لكن بشروط هي الكفاءة الأهلية أو الولاء لفرنسا فمنحت لبعض المثقّفين والفاعلين في الحياة السياسية والنقابية الجنسية ومنحتها لبعض الإداريين والأعيان والقياديين قبل أن تقدم على التمييز بين مسلمي الجزائر ويهود الجزائر في قانون الكريمي 1871 من خلال منحها الجنسية لليهود وبهذا أصبح عشرات الآلاف من اليهود الجزائريين فرنسيي الجنسية وظلّ الوضع على ما عليه إلى غاية اندلاع ثورة الفاتح نوفمبر 1954. وباندلاع الثورة كشف المختصّ في القانون أن موقف الحركة الوطنية الجزائرية من التجنّس بغير الجنسية الجزائرية واضح فالاتحاد الوطني الاستقلالي رفضه رفضا قاطعا أمّا الحركة الإصلاحية ممثّلة في جمعية العلماء المسلمين الجزائريين فكانت تقول: (نعم للاندماج الثقافي.. لا للاندماج السياسي) ما يعني أنها هي الأخرى كانت ترفض اكتساب الجنسية الفرنسية. وذهب البعض من قادة الجمعية على مستوى الجزائر وعلى مستوى الحركة الدينية في المغرب العربي إلى تكفير هذه الفئة وصدرت فتوى في ثلاثينات القرن الماضي تقرّ بأنه لا يجوز دفن حاملي الجنسية الفرنسية في المقابر الإسلامية.

اتّفاقيات (إيفيان) والعشرية السوداء وراء لجوء الجزائريين إلى الجنسية الفرنسية
أكّد الأستاذ الجامعي أن عدّة عوامل تسبّبت في اكتساب الجزائريين لجنسية ثانية منها عوامل مرتبطة بالحِقبة الاستعمارية وأخرى مرتبطة بتأزّم الوضع الأمني والاقتصادي خلال العشرية السوداء حيث أوضح أنه خلال الفترة الاستعمارية كان الإقبال قليلا على التجنّس المزدوج ولم تسع السلطات الفرنسية لمنح جنسيتها منذ ثلاثينيات القرن الماضي والعدد الحقيقي لمزدوجي الجنسية هو 600 ألف جزائري. لكن مع اندلاع الثورة عملية التجنّس أصبحت غير ممكنة من الطرفين بعد استرجاع الجزائر لسياداتها واتّفاقيات (إيفيان) التي وضعت حدّا لازدواج الجنسية حيث تمّ تخيير الفرنسيين بين جنسيتهم الفرنسية أو اكتساب الجنسية الجزائرية لكن في تسعينيات القرن الماضي ومع الصراع الأمني والسياسي في الجزائر هناك عدد من معتبر الجزائريين هاجروا إلى الدول الأجنبية وتجنّسوا بجنسيتها واحتلّت الجنسية الفرنسية الصدارة لأن فرنسا تتبع قاعدة حقّ الدم وحقّ الأرض فالعديد كانوا يلجأون إلى فرنسا لكي تلد زوجاتهم أبناءهم حتى يتمكّن أبناؤهم من نيل الجنسية الفرنسية لغايات اجتماعية سياسية واقتصادية معروفة. وأضاف محدّثنا أن قضية التجنّس بغير الجنسية الجزائرية تسبّبت فيها ظروف تاريخية وضرورات مهنية بالنسبة لكثير من الإطارات الجزائرية في أوروبا وأمريكا أو في الدول الأنجلوساكسونية والدول اللاّتينية وللاندماج في هذه الدول يشترط حمل جنسيتها بغرض تولّي مناصب مهمّة ولا عجب أن نجد آلاف الجزائريين يحملون الجنسيات الأمريكية الكندية والإنجليزية بعد الجنسية الفرنسية التي تحتلّ دوما الصدارة.

مزدوجو الجنسية تركوا بصماتهم في الحياة السياسية والثقافية
كان لمزدوجي الجنسية في الجزائرية -حسب الدكتور عامر رخيلة- دورا سياسيا بارزا بعد الاستقلال فقد كانوا يشتغلون في مناصب إدارة الشؤون العامّة في الإدارة الجزائرية وحافظوا على جنسيتهم الثانية (الفرنسية) لا سيّما أنه لم تكن هناك نصوص تمنع ذلك حتى وإن كان قانون 1970 لا يجيز التجنّس بغير الجنسية الجزائرية غير أنه لم يكن من شأنه أن يطبّق بأثر رجعي لهذا كانوا يتمتّعون بالجنسية وبعض الامتيازات من طرف الدول الأوروبية. وأوضح رخيلة أنه على الصعيد السياسي فعلا أصبح لهذه الفئة تأثير في الحياة السياسية لما تجده من دعم وتمكين من القوى الخارجية لا سيّما في العلاقات الدولية التي تخضع إدارة شؤون الدولة في العالم الثالث دائما للتأثيرات الخارجية لذلك كان الفرنسيون وعلى رأسهم المسؤولون وحتى اليوم يؤكّدون أن لديهم تواجدا في الجزائر من خلال مزدوجي الجنسية سواء الزّيجات المشتركة أو الميلاد والعديد من الاعتبارات. وبخصوص التأثّرات الثقافية قال محدّثنا: (أكيد انعكست في التجاذبات التي عرفتها الجزائر منذ الاستقلال إلى اليوم بظهور نخبتين نخبة تقليدية متكوّنة من المدرسة الجزائرية الإصلاحية والثانية خرّيجة المدرسة الفرانكفونية هذا الصراع ما يزال ممتدّا وخلق فوارق اجتماعية وثقافية عامّة).

رخيلة: (المادة 51 لن تمسّ المسؤولين الحاليين)
أكّد عضو المجلس الدستوري سابقا أن نصّ المادة 51 لا تطبّق بأثر رجعي وكلّ مسؤول اليوم موجود في السلطة مزدوج الجنسية لا تطبّق عليه نصّ المادة بل ستشكّل خطرا على الطبقة السياسية في الفترة المقبلة موضّحا أن نصّ الدستور أحاله مجلس الوزراء في 11 جانفي الجاري على القانون وهو الذي سينظّمه مشيرا إلى أنه من الضروري الانتظار إلى غاية توضيح المجالات التي سيشملها منع ازداوجية الجنسية وهي الصورة التي ستتّضح بعد صدور القانون غير أن هذا -حسبه- لا يمنع وجود تناقض مع المادة 24 المتعلّقة بحقوق المهاجرين ومساهمتهم في التنمية والحماية والرعاية التي تضمنها لهم الدولة وبذلك سيتمّ تجريد كلّ جزائري من تقلّد المسؤولية ما يعني أن الحديث عن تأثيرات هذه المادة سابق لأوانه ولابد من انتظار صدور قانون الجنسية الذي يمنع التجنّس بغير الجنسية الجزائرية وشروط اكتساب جنسية ثانية ليوضّح في الأخير أن كلّ مادة قانونية لديها مخارج أخرى غير النصّ المباح المعلوم والمصاغ حرفيا لأن كلّ مادة تحمل عيوبا وتناقضات ستصعّب من تطبيقها.

حقوقي: (المادة 51 متناقضة وتعدّي صارخ على حقوق المواطنين)
أكّد المحامي (ب. بشير) أن المادة 51 تضمّنت فقرتين متناقضتين وتشكّل خرقا صارخا لحقوق المواطنين التي ينصّ عليها الدستور وتفتح المجال واسعا للتمييز واللاّ مساواة حيث تنصّ على تساوي جميع المواطنين في تقلّد المهام والوظائف في الدولة دون أيّ شروط أخرى سوى الشروط التي يحدّدها القانون موضّحا أن صياغة المادة خاطئة ومتناقضة مع الفقرة الثانية التي تنصّ على أن الجنسية الجزائرية دون سواها هي الشرط الوحيد لتولّي المسؤوليات العليا في الدولة والتناقض لم يشملها في حدّ ذاتها بل شمل أيضا نصّ المادة 29 من مشروع تعديل الدستور في الفصل الرابع في باب الحقوق والواجبات والتي تنصّ على أن كلّ المواطنين سواسية أمام القانون أي لا يوجد تمييز بين مواطن يحمل الجنسية الجزائرية وآخر يحمل جنسيتين أو حتى أربع جنسيات كما أنها تنصّ على أنه لا يمكن أن يتذرّع بأيّ تمييز يعود سببه إلى المولد (الأصل) العرق أو الجنس أو الرأي أو أيّ شرط أو ظرف آخر شخصي أو اجتماعي. وأضاف ذات المحامي أن نفس التناقص مسّ المادة 31 التي تنصّ على أن تستهدف المؤسّسات ضمان مساواة كلّ الموطنين والمواطنات في الحقوق والواجبات بإزالة العقبات التي تعوق تفتّح شخصية الإنسان وتحول دون مشاركة الجميع الفعلية في الحياة السياسية وبالتالي هناك خلل قانوني لابد من تفسيره وكيف سيتمّ منع مزدوجي الجنسية من تقلّد المناصب العليا في البلاد في حين أن مواد الفصل الرابع من مشروع الدستور تضمن المساواة لجميع المواطنين على حدّ سواء. وتساءل المحامي عن سبب حرمان مزدوجي الجنسية رغم أن خبرتهم وكفاءاتهم المهنية تمكّنهم من تقلّد منصب وزير وإنشاء حزب سياسي؟ لماذا نحرم البلاد من الكفاءات؟ لماذا تمّ استثناء المواطنين حاملي الجنسية؟ ولماذا لم تشمل المادة حاملي بطاقات الإقامة؟ موضّحا أن الخطر نفسه قد يصدر من الفئتين. ويبقى السؤال المطروح: هل المواطن مزدوج الجنسية ليس موثوقا فيه ومحلّ إعراب المواطنين الحائزين على بطاقات إقامة التي تشكّل أيضا مصدر قلق أيضا للدولة؟ كاشفا أن أكثر من 50 بالمائة من المسؤولين بمن فيهم وزراء ورؤساء الأحزاب السياسية لديهم بطاقات إقامة في عدّة دول أجنبية.

بن يونس.. سعداني وعسول على قائمة المعارضين
يوجد في المجلس الشعبي الوطني على الأقلّ 100 نائب مزدوج الجنسية كما أن هناك عددا من الوزراء أيضا بالإضافة إلى مسؤولين سامين آخرين ممّن حصلوا على جنسية ثانية والذين يقدّر عددهم بالآلاف وهو ليس بالأمر المثير أو الجديد لكن أن يكون عمار سعيداني زعيم حزب الأغلبية جبهة التحرير الوطني أوّل منتقد لإدراج هذه المادة هو المثير للجدل والاستفهام. وبرّر سعيداني هجومه العنيف على المادة 51 مكرّر بأنها ستنزع المواطنة عن مواطني الخارج وهو أمر غير دستوري حيث يوجد -حسبه- مليونا جزائري يقيمون في الخارج وهم من ذوي الكفاءات الذين قد تحتاج إليهم الجزائر في المستقبل وإن كانت حجّته لم تقنع لا الشعب ولا الطبقة السياسية وفتحت جملة من التأويلات حول الرجل إلاّ أنه ما يزال متمسّكا بموقفه. رئيس الحركة الشعبية الوطنية عمارة بن يونس هو الآخر انتقد المادة بشدّة وناشد الرئيس التدخّل وإعادة مراجعة نصّها وهو ما لم يستجب له بوتفليقة في اجتماع الوزراء حيث وصف بن يونس المادة بالمجحفة في حقّ جزء من الجزائريين الذين يعيشون في الخارج ويرغبون في خدمة وطنهم. وأضاف بن يونس خلال تبريره لموقفه أن الذين يولدون في فرنسا هم فرنسيين حتى إن لم يرغبوا في ذلك لأن الاتّفاقيات بين البلدين تعطيهم بشكل أوتوماتيكي الجنسية الجزائرية مستدلاّ ببعض اللاّعبين الجزائريين الذين ولدوا في فرنسا ويحملون الجنسية المزدوجة إلاّ أنهم شرّفوا المنتخب الوطني وعملوا ما بوسعهم من أجل تحقيق الفوز. من جهتها رئيسة الاتحاد من أجل التغيير والرقي زبيدة عسول هاجمت الصياغة الجديدة للمادة 51 من الدستور والتي منعت مزدوجي الجنسية من تولّي مناصب سامية في الدولة معتبرة المادة (مجحفة) في حقّ الإطارات الجزائرية في الخارج رغم أن الرئيس بوتفليقة أمر بتوسيعها من خلال تحديد قائمة المناصب العليا في الدولة التي سيسمح للجزائريين من ذوي الجنسية المزدوجة بممارستها بنصّ قانوني وأكّدت وجود نوايا خفية وراء التعديل الجديد للمادة 51 من المشروع التمهيدي لمراجعة الدستور الذي كشف عن محاوره الكبرى مدير ديوان الرئاسة أحمد أويحيى منذ أقلّ من شهر وأضافت أن النصّ الجديد للمادة يؤكّد أن السلطة متمسّكة بسياستها ولا نيّة لها في إحداث التغيير المنشود موضّحة أن مفاهيم الجزائريين حول (التجنّس) تغيّرت فمزدوجو الجنسية لا يعني أنهم (حركى).
ب. حنان