التقاعد.. لأجل القعود !

  • PDF

بقلم الاستاد : محمد قروش
اذا كان العالم اليوم يجعل من العمل شغله الشاغل وهاجسه الاول وشرط وجوده وممارسة مواطنته واكبر حقوقه الاساسية فان الجزائريين على العكس من ذلك اصبحوا يشنون الإضرابات العارمة من اجل الحصول على التقاعد قبل السن القانونية من اجل الخلود الى الراحة والقعود بعدما امضوا سنوات قليلة في ما يشبه العمل دون ان يصلوا الى فهم حقيقته وقدسيته العظيمة وآثارها في تقدم الامم و نهوض الحضارات .
فالجزائريون حسب إحدى الدراسات التي قام بها عدد من الاساتذة والباحثين الجامعيين يعتبرون من بين اكثر العمال كسلا  وخمولا في اداء عملهم بالمقارنة مع نظرائهم في الدول العربية والإفريقية  حيث ان الجزائري لا يعمل اكثر من 13 دقيقة في الساعة بينما يهدر ملايين الساعات والدقائق في امور لا علاقة لها بالعمل تقدر خسائرها بملايين الدولارات اقتصاديا
يضاف الى ذلك الغيابات الكثيرة التي تعد بين الأكثر ارتفاعًا على المستوى الدولي حسب ذات الدراسة.
وإذا كانت  نفس الدراسة تؤكد أن آليات وقوانين تنظيم العمل في الجزائر هي المسؤولة  بدرجة كبيرة عن كسل وخمول العامل الجزائري لأنها قوانين غير ردعية ومتسامحة كثيرًا  فان الحقيقة الكبيرة التي  يمكن استنتاجها من هذه الارقام ان قيمة العمل و قدسيته لا وجود لها في قاموس الجزائريين الذين اصبحوا  يفضلون الكسل والراحة والتقاعد على العمل دون اعطاء أي  اهمية للوقت وبذل الجهد وإتقان العمل متجاهلين دوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والحضارية مثلما يحدث في الدول المتقدمة مثل المانيا واليابان والصين ودول الغرب عموما.
والحقيقة ان هذا السلوك هو انعكاس للواقع العام الذي يعيشه الجزائريون نتيجة انعدام الوعي بقيمة العمل وعدم احترام الوقت بسبب انهيار منظومة القيم الفكرية والاجتماعية التي ظلت  تمجد العمل وترفع من قيمة العامل وتعويضها بمفاهيم اخرى تنقص من قيمة العمل وتعطي الاولوية للربح السهل والحصول على منافع ومزايا مادية ومالية  بطرق لا يكون للعمل أو الجهد فيها اداة اساسية بل هي  نتيجة شطارة اوقفازة او حيل خاصة دون بذل جهد او استثمار وقت ولا مال .
وبذلك اصبحت البزنسة والتشيبا والشطارة هي القيم الجديدة التي  يؤمن بهااغلب الجزائريين في الحصول على متطلباتهم المادية والمعيشية بأضعاف ما يمكن ان يحصلوا عليه من العمل نتيجة انعدام الحوافز ومحدودية الرواتب الشهرية للعمال و تعقد الأوضاع الاجتماعية والمعيشية الصعبة التي يعيشها اغلب الجزائريين.
ان  اشكالية التقاعد ليست في عدد السنوات التي يقضيها العمال في العمل او حتى في نوعية المهام التي يقومون بها بل ان المسالة اعمق من ذلك ترتبط ارتباطا عميقا بمفهوم العمل وقيمته فكريا و اجتماعيا وحضاريا كأساس لوجود الانسان وبناء الدول و الامم والحضارات وهي القيمة التي اصبحت غائبة لدى الجزائريين و في الثقافة العربية والإسلامية عموما حيث عوضتها افكار ومفاهيم اخرى تدعو الى التكاسل والقعود وعدم بذل الجهد بل اكثر من ذلك اصبح ذم العاملين والمجتهدين ووصفهم بأوصاف التخلف والتحجر وانعدام الفطنة والنباهة من مفاهيم العصر الحديث في هذه المجتمعات المتخلفة التي اصبحت تعتمد في المقابل على مفاهيم اخرى تمجد الاحتيال والربح السريع والكسب بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة وهو ما اصبح  يدفع العمال الى التقاعد من اعمالهم  او بالأحرى الهروب من الوظائف الثابتة  للبحث عن وسائل اخرى تتماشى مع هذه المفاهيم الاجتماعية الجديدة.
ان ذم العمل واحتقار الجهد وكراهية الوظائف والنفور منها  والهروب الجماعي الذي أصبح  يعبر عنه العمال  بالاتجاه نحو التقاعد من وظائفهم  في سن متوسطة او صغيرة يعبر عن ازمة  حضارية وفكرية تعيشها الجزائر والأمة الاسلامية تتعلق اساسا بمفهوم العمل وقيمته ودوره  وهو مرض اصبح ينخر عقول اطفالها وشبابها ليحولها الى جثث هامدة لا تقدم أي اضافة  لبلدانها او مجتمعاتها بل  اصبت تجذبه بشكل خطير نحو التخلف في جميع الميادين العلمية والمهنية والإنتاجية والحضارية مما اصبح يهدد وجودها وكياناتها كاملة لولا ان تتداركه  هذه المجتمعات بالعودة الى المفاهيم الحقيقية للعمل وقيمته وإعادة ترسيخها في عقول  الشعوب خاصة الشباب والأجيال الصاعدة من خلال المؤسسات التربوية والإعلامية والدينية التي يمكنها اعادة ترسيخ ثقافة العمل وقيمتها في النهوض بالإنسان والحضارات .