عطسة امريكا ..وزلزال العرب !

  • PDF

بقلم: الأستاذ محمد قروش
موجة الهلع التي احدثها انتخاب الرئيس الامريكي الجديد دونالد ترامب في الاوساط العربية خاصة مؤشر خطير على التبعية العربية للقرار الخارجي على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية حيث لا تزال رهينة حسابات ومواقف الغرب وأمريكا خاصة ،حتى انه اصبح يقال انه عندما يعطس مسؤول امريكي في البيت الابيض تهتز البلاد العربية وعواصمها وحكوماتها خوفا من ارتدادات تلك العطسة ..!
فإذا كانت كل الدول العربية عدا فلسطين قد تخلصت من مصائب الاستعمار والانتداب التي تلت معاهدة سايكس بيكو فان القرار السياسي والاقتصادي والأمني لا تزال تتحكم به كثير من القوى الغربية سواء بطريقة رسمية من خلال اتفاقيات مبرمة او بطريقة غير رسمية من خلال الولاءات الخفية لدول قوية مثل فرنسا وأمريكا وبريطانيا وهو الامر الذي يجعل من التغيرات التي تحدث بهذه الدول القوية ذات اثار كبيرة بالنسبة للدول العربية التابعة لها .
وقد كانت الانتخابات الامريكية الاخيرة امتحانا صعبا لكثير من العرب والمسلمين الذين لا يزالون يأملون في حنان امريكا و عطفها ورضاها ،ويحلمون في حل مشاكلهم عن طريقها ، حيث فاجئهم انتخاب الجمهوري دونالد ترامب المعروف بسياساته المعادية للعرب والمسلمين علنا وخطابه العنصري الذي يجعل من امريكا سيدة العالم وباقي الشعوب عبيدا لها،وهو ما ادخل كثيرا من العرب في دوامة التوجس والحيرة والترقب عما ستسفر عنه الايام القادمة .
والحقيقة ان غباء العرب وجهلهم وذلهم وهوانهم خلال الخمسين سنة الماضية جعلهم يؤمنون حقا ان سياسة امريكا يمكن ان تتغير بتغير الرؤساء او الحكام او المجالس والهيئات ، وهو تصور باطل تدحضه كثير من المواقف والسياسات الأمريكية التي لم تتغير على مر السنوات الماضية سوى في بعض التفاصيل او السيناريوهات مع ثبات الرؤية الأمريكية الموحدة والإستراتجية المرسومة رغم تغير الرؤساء والوزراء والمستشارين .
فماذا قدمت امريكا للعرب على مر القرن الماضي سوى تدمير بلدانهم وتفكيك وحدتهم وتمكين اعدائهم و نهب ثرواتهم واستغلال اموالهم وقدراتهم لتحقيق مصالحها وماذا سيفعل ترامب اكثر مما فعله ريغان او بوش اوكلينتون و غيرهم من الرؤساء الامريكيين مع العرب والمسلمين ؟ ربما يكون الفرق الوحيد بين رؤساء امريكا وبين الوافد الجديد هو ان هذا الاخير يسمي الاشياء بمسمياتها و بوضوح شديد ليقول للجميع ان امريكا هي رأس العالم وهي تكره اعداءها من العرب والمسلمين الذين يضربون النساء ويحتقرون الشواذ ولا يتعايشون وفق نمط الحياة الامريكية كما قاله بصراحة واضحة في خطاباته، وهي امور كان يقولها من سبقه لكن في الكواليس والصالونات والغرف المغلقة بعيدا عن الكاميرات .
وبالنتيجة فان مشكلة العرب لا تكمن فيمن يحكم امريكا من الجمهوريين او الديمقراطيين لان كلا منهم سيمضي في تطبيق المشروع الامريكي المحدد الذي لا يحابي احدا ولا يجامل احدا على حساب مصالحه، ولكن المعضلة الحقيقية هي في ذل العرب والمسلمين واحتقارهم لأنفسهم وانتظار شفقة امريكا وطلب ودها دون اتخاذ القرارات الحاسمة التي تحدد مصيرهم في هذا العالم كجنس و كحضارة كانت في يوم من الايام تسود العالم.