ديموقراطية بالزبيب !!

الخميس, 07 ديسمبر 2017


 بقلم: خيري منصور*
هل يمكن لأعرابي عاش قبل الف عام ان يخبرنا من اين تعلم الديموقراطية؟ تماما كما قال البير كامو انه لم يكن بانتظار ماركس كي يعلّمه الاشتراكية فقد تعلمها من استاذ كبير طاعن في التاريخ اسمه الفقر!
ذلك الاعرابي طلب منه ذات غزو ان يوزع السبايا بالتساوي فأعطى اجملهن لسيده ثم اخذ يوزع البقية بين الفرسان عندئذ تلقى صفعة من قبضة يتوسطها خاتم فضي كبير على فمه فاختلط اللعاب بالدم واعاد القسمة قائلا: ان هذه الصبية السبية لسيدي في الصباح وتلك له في الضحى والثالثة له في الظهيرة والرابعة بعد غروب الشمس الى ان وصل الهزيع الاخير من الليل.
عندئذ ضحك سيده وربت على كتفه وقال له طوبى لمن علّمك هذا العدل فأجاب الاعرابي بصوت متهدج يقطر منه الدم: طوبى لكفك يا سيدي فهي التي علّمتني العدل!
وحين تحدث فلاسفة ومصلحون ومؤرخون عن الديموقراطية منهم من قال انها كلمة لا تقبل الترجمة من اللغة اليونانية فهي سادت وبادت قبل اكثر من الفين وخمسمائة عام ومنهم من قال انها كالزواج شر لا بد منه ومنهم من ذهب الى ما هو أبعد فقال هل اتساوى وعبدي بحيث يكون لكل منا صوت واحد فقط ؟
لكن ما لم يتحدث عنه حتى جحا في ذروة حكاياته ومفارقاته ولم يقله كتّاب مسرح اللامعقول امثال بيكيت ويونسكو هو الديموقراطية المحشوة بالزبيب وهي نوع من المعجّنات الرخوة التي يشكّلها الطهاة كيفما ارادوا فمنهم من يحولها الى أرنب او سلحفاة او عصفور وذلك تبعا لأمزجة الزبائن واعمارهم والاطفال العرب الذين يسمعون كلمة ديموقراطية على مدار اللحظة وليس الساعة فقط من الفضائيات والهتافات والصالونات قد يظنون انها بالفعل نوع ثمين من المعجنات بحيث تكون هناك ديموقراطية بالتمر واخرى بالجوز وثالثة بالزبيب.
لم يبق الا ان نسمع من الباعة المتجولين هتافات عن الديموقراطيات الموزعة على عرباتهم بحيث يكون منها البارد المثلج صيفا والساخن شتاء والفاتر ربيعا .
قد ينسى من يفضلون ديموقراطية الزبيب على ديموقراطية التمر او القُطّين ان هذه الثمرة استغرقت كي تنضج منذ كانت برعما في اثينا الاف الاعوام وانها نتاج عوامل بالغة التعقيد والتداخل بدءا من انماط الانتاج حتى انماط التربويات والثقافات وقد لا يعرفون ان اثمن المعادن وهو الماس كان فحما تعذّب وتقلب في باطن الارض ملايين الاعوام.
شكرا لذلك الاعرابي الذي سبقنا بألف عام وقال لنا من اين تعلم العدل!!