الاستعمار الناعم

  • PDF

بقلم: إسماعيل الشريف
الطريقة الناجحة لنشر الدعاية هي أن لا يظهر أنها دعاية أساسا _ ريتشارد كروسمان برلماني بريطاني
احتفلت إذاعة بي بي سي الشهيرة بعيدها الثمانين وقبلها بأسابيع قليلة انضمت إلى لغات البث أربع لغات هندية محلية جديدة ليصبح عدد اللغات التي تبث بها برامجها الأربعين.
نأكل أكلهم ونلبس لبسهم ونحاول أن نعيش حلمهم ذهب الاستعمار بمعناه التقليدي الاحتلال العسكري للأوطان ولكن عاد إلينا بشكل أكثر وحشية استعمار ناعم لا يزال يسرق الأوطان والخيرات خطورته أننا نعتقد بأننا نتصرف بحرية ولكن في حقيقة الأمر هي حرية لا نملكها!

أقرأ هذه الأيام كتاب الحرب الثقافية الباردة سي آي إيه وعالم الفن والحروف لمؤلفه فرانسيس ستونار ساوندرز وهو صحفي بريطاني مخضرم.
The Cultural Cold War: The CIA and the Worlds of Arts & Letters. Frances Stonor Saunders.
يتناول الكتاب الحرب الثقافية أثناء الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي ويتحدث عن برنامج وكالة الاستخبارات الأمريكية وتقديمها ودعمها لأعمال أدبية وفنية معينة تخدم أهدافها السياسية.
بدأ هذا البرنامج عام 1947 وكان موجها ضد الاتحاد السوفييتي وفي أوجه كان للوكالة خمسة وثلاثون مكتبا حول العالم ونشروا خمسة وعشرين مجلة مهمة.
أقاموا المعارض الفنية وامتلكوا شركات الخدمات الصحفية ونظموا المؤتمرات العالمية وقدموا الجوائز للفنانين فكانت النتيجة شبكة واسعة من تحالف مثقفين وشعراء ومفكرين وفنانين خدموا أهداف الامبريالية وقدمت الحياة الأمريكية كأفضل حياة يجب تقليدها.
وهذا الاستعمار خطورته أنه سيمهد لأشكال أخرى من الاستعمار بعد أن يتم التحكم بأفكارنا وآرائنا واتجاهاتنا وعواطفنا وستكون عبارات الحريات الشخصية والنظام الرأسمالي والعولمة هي مسلمات يجب القتال من أجلها ولو أدى ذلك إلى تدمير الأوطان وباسمها تنشط مجتمعات المجتمع المدني ويُغتال الساسة المعارضون وتُقلب الأنظمة.
وبعد انهيار الاتحاد السوفييتي وبوجود هذه الماكنة الإعلامية الضخمة كان لا بد من خلق عدو جديد تعلن هذه الماكنة الحرب عليه وكان جليا أن أحد الابتكارات كان ما عرف بالحرب على الإرهاب والحث على نوع جديد من الإسلام يرضى عنه السيد الأمريكي.
وتظهر جليا هذه الحرب بين الولايات المتحدة وكوريا الشمالية إذ نجحت الماكنة الغربية في تقديم كوريا الشمالية كبلد تنهشها المجاعات يقودها مجنون لا يمكن التنبؤ متى سيضغط على الزر النووي ولا أحد يتحدث عن سبب إصرار كوريا الشمالية على بناء سلاحها النووي فهم يعملون على تلافي ما وقعوا فيه أثناء الحرب الكورية عام 1950 فقد قضى 10 - 20 من الشعب الكوري الشمالي في الحرب التي أسقطت الولايات المتحدة فيها كمية من القنابل تعادل ما أسقطته في الحرب العالمية الثانية على منطقة شرق آسيا.
استغلت كوريا خوف الشعب الكوري من تكرار الجرائم الوحشية وعدم ثقته بالولايات المتحدة وأحكمت قبضة من حديد على البلاد وحولت ميزانية البلد إلى التصنيع العسكري وغسلت أدمغة الشعب من أن تحقيق العدالة الاجتماعية لا يأتي إلا من الفقر.
وكان من مظاهر الهزيمة الثقافية في العالم احتفال الشعب العراقي بالمحتل عام 2003 والتطبيع الحالي الذي يجري بين الدول العربية وإسرائيل برأيي أن أكبر هزيمة ممكن أن تلحق بأية أمة هي الهزيمة الثقافية وقد خسرنا هذه المعركة.