انهم يطبخون الورد !!

  • PDF


بقلم: خيري منصور
لم يجد الروائي الكولومبي ماركيز عنوانا لمذكراته ادق من عبارة عشت لأروي وبذلك اعطى حياته مغزى انسانيا وحضاريا يتفوق فيه على من عاشوا ليأكلوا او ليبحثوا عن اقصر الطرق لتحقيق الذات الزائف ومن هؤلاء من يصدق عليه القول تسمع بالمعيدي خير من ان تراه او ما قاله ابن المقفع وهو : خامل الذكر خير من صاحب الذكر الذميم فالحياة في خاتمة المطاف ليست تلبية للغرائز بحيث يعبر الكائن هذا الكوكب كبعير او بقرة ولا يترك اثرا غير ما يتبقى من قبره الدارس.
ان الذين يعيشون ليأكلوا هم الذين توقفوا عن النمو عند طور الحيوان الثديي وليس لديهم اي احساس بما يتجاوز المسافة بين القبعة والحذاء لهذا فالموت بالنسبة اليهم هو موت الاخرين وكذلك الحزن والفقدان الى ان يفاجئهم المصير وهم آخر من يعلمون ! وعندئذ يكون الاوان قد فات.
ونحن لا نفاضل بين الرغيف والوردة او بين الضرورة والحرية لمجرد ان للحياة معنى يتخطى الشرط العضوي الذي يحاصر البشر بل هناك امكانية لتحقيق التوازن بين الحرية والضرورة وبين الوردة والرغيف ولو توقف كل منا دقيقة واحدة في اليوم وحبذا لو تكون في المساء كي يسأل نفسه ماذا حقق بالفعل؟ وهل عاش يوما آخر ام ان ايامه متكررة ورتيبة ومجرد ارقام؟ لأنه لو سأل نفسه لربما استيقظ من غيبوبته وسباته وبحث عن وسائل تعطي وجوده معنى واحيانا يبدو لي من لم يقرأ كتابا ولم يستغرق في سماع قطعة موسيقى او مشاهدة لوحة او تمثال كما لو انه مجرد امعاء تسعى كالثعابين في هذا العالم فالحياة اثمن وارقى واعز من ان نبددها بلا هدف والمثل العراقي الشهير عن جبر الذي كانت حياته خطوات من المهد الى اللحد يصح على ملايين البشر الذين لو ادركوا قيمة الدقيقة لما بددوا الاعوام كلها في التكرار العقيم!
كان الكاتب اليوناني العظيم كازانتزاكي مؤلف زوربا الذي اصبح اشهر منه يقول لزوجته في اواخر ايامه ان تقف في الشارع وتتسول له دقيقة واحدة من المارة كي ينهي آخر رواياته !!