أيها الخطيب: إياك والجرعة الزائدة!

  • PDF


بقلم: الشيخ أبو إسماعيل خليفة

إن مما يعاب على بعض الخطباء خوضهم أثناء الخطبة المنبرية في تفصيلات فقهية وتفريعات وخلافات بين أصحاب المذاهب ممّا يوقع السامعين في اللبس والغموض ومعروف أن أمثال هذه الأمور إنما مجالها مدرجات الجامعات وحلقات الدروس الخاصة وليس خطبة الجمعة التي يحضرها عامة الناس..
فيا أيها الخطيب: إياك والجرعة الزائدة فإنها تقتل ومراعاة الحال وتخصيص قوم بعلم دون قوم مراعاةً للفهوم وتقديرا للمصالح فنّ من فنون التربية والتعليم بل منهج نبوي شريف فقد بوّب الإمام البخاري رحمه الله في صحيحه فقال: (باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية ألا يفهموا) وذكر تحته حديث أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: (من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة) قال: ألا أبشر الناس؟. قال: (لا إني أخاف أن يتكلوا).
فتأمل هذا.. ثم ـ اعلم-أيضا-أن التربية والتعليم والدعوة إلى الله ليست عملية استعراض المعلومات وإنما هي صياغة متكاملة تحتاج في أوّلها الأسسَ والمبادئ التي تصح بها النهايات وتكتمل.. وأنت قد كُلِفت بمواجهة جمع غفير من المستمعين يختلفون في الطباع وفي المنزلة الاجتماعية ويتفاوتون علما وجهلا ويختلفون سنا وجنسا.
نعم.. ما أصعب أن تتعامل مع هذا الكل!!. ولكن كن متأسيا بما جاء في القرآن الكريم على لسان شعيب على نبينا وعليه السلام: (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب). هود:88
واحذر أيها الخطيب من آفات الخطباء القاتلة: أولاها: الوقوع في العجب وحب الشهرة: فإن ذلك يحمل بعض الخطباء على الاعتداد بآرائهم دون آراء غيرهم فيقعون فريسة الأخطاء ومجانبة الصواب لاسيما في الأمور المعضلة التي تنزل بالمجتمع وباب الشهرة ـ يا صديقي ـ غامض و(ما صدق الله عبد أحب الشهرة).
وثانيها: التماس رضا الجمهور: بخطبة فيها نوع من القوة في النقد والإثارة حتى ولو كان حقّا ولكن دون رويّة أو تسييس أو نظر في المقاصد والغايات أو رضًى لطرف آخر وأنت تعلم قبل غيرك: أن رضا الناس غاية لا تدرك...
ولذا أهمس في أذنيك قائلا: اعلم أن الناس عادة يعتقدون أنك أنت الدعوة ويصعب عليهم أن يفرقوا بينكما.. فحاذر حاذر من الوقوع في التناقض..

* إمام بسيدي بلعباس