200 ألف عانس في الجزائر سنويا


الآفة مسكوت عنها رغم خطورتها 
200 ألف عانس في الجزائر سنويا 


تُعتبر العنوسة من الطابوهات الاجتماعية التي يتجنَّب الكثير من المختصِّين الاجتماعيين أو الأسريين الحدث عنها أو التطرق إليها إلاَّ فيما ندر ويعتبرها بعضهم مرضاً اجتماعياً صعب العلاج قد تسلَّل إلى جسد المجتمع الجزائري المُحافظ وسكن بين جوانحه.


أيسر عميرة 


العنوسة والتي تعني حسب التَّعريفات والإصطلاحات العلمية الاجتماعية تأخر سنّ الزواج عن المُعدَّل العادي الطبيعي المتعارف عليه اجتماعياً في أي بلد وهذا المصطلح وإن كان يشمل الجنسيين ممَّن تأخر بهم قطار الزواج ولكن أصبح لصيقا بالإناث في المجتمعات المنتمية  إلى دول العالم النامي ومنها قطعاً المجتمع الجزائري الذي انتشرت فيه هذه الظاهرة المؤرقة لكثير من الأسر والنِّساء كانتشار السُّم في جسد ميدوسا قبل قطع رأسها.


200 ألف فتاة في دائرة العنوسة سنويا
الإحصائيات الرسمية الصَّادرة عن الديوان الوطني للإحصاء تكشف لنا عن حجم الواقع المرير والصَّادم فيما يتعلق بهذه الظاهرة وتميط اللثام عن وجود أزيد من أكثر من مليون فتاة قد تخطت سنَّ  34 سنة دون زواج بالإضافة إلى أنَّ هناك أكثر من 31.1 بالمائة من الفتيات يُعانين من شبح العنوسة نتيجة عدَّة عوامل اجتماعية واقتصادية ومجتمعية قد ساهمت في ذلك بشكل مباشر وهذه النسب جاءت نتيجة دراسة مشتركة قام بها خبراء التنمية التابعين للأمم المتحدة مع باحثين جزائريين مستقلين فالعدد المطَّرد للعوانس والذي شهد ارتفاعاً غير مسبوق إذ كان في حدود 6 مليون عانس في التسعينيات من القرن الماضي نتيجة الظروف الأمنية الصعبة في البلاد والتي أدت إلى هجرة آلاف الشباب الجزائري من الجنسيين بحثاً عن حياة أفضل بعيداً عن مارد الموت الذي كان رابضاً على قلوب الجميع ليصل العدد حسب أرقام العام الماضي إلى أكثر من11 مليون عانس بمعدل قارب 200 ألف يدخلون ضمن هذا النِّطاق من الفتيات كل سنة.


العنوسة تهدّد بالشيخوخة في المجتمع 


فالجزائر التي تتصدر قائمة الدُّول العربية من حيث انتشار هذه الظاهرة وتغلغلها في المُجتمع تليها دولٌ كالمغرب وتونس يستوجب على كل المعنيين بالظاهرة من المسؤولين والمختصِّين دراستها بتعمق من أجل إيجاد حلول عاجلة وسريعة لها قبل انقلاب الهرم الاجتماعي الوطني بعد سنوات إن لم تعالج هذه الظاهرة فوراً فنسبة الشَّباب في الجزائر والتي تبلغ حوالي أكثر من 70 بالمائة من المجتمع قد تتقلص في السنوات القادمة لنتحول من دولة يشكل هؤلاء قوتها الدَّافعة ورافعتها الاقتصادية والأمنية والثقافية إلى دولة تصبح الشَّيخوخة فيها وانخفاض معدلات الإنجاب هي سمتها الغالبة حتماً نتيجة  تفشي هذه الظاهرة الخطيرة.


ظروف صعبة ألغت مشروع الزواج
يرجع العديد من المختصِّين كالباحثة الاجتماعية الأستاذة أمال عيسى من جامعة البليدة تفشي العنوسة إلى اشتراك مجموعة من العوامل التي تساهم في صياغة هذه الظاهرة وتحديد معالمها الكلية وعلى رأسها العوامل الاقتصادية كانتشار البطالة في أوساط الشباب الجزائري والتي أصبحت تلاحقه كلعنة وهي ظاهرة لازالت مستمرة في الارتفاع كل سنة ودون توقف رغم الأرقام الرَّسمية المقدمة والتي يكذِّبها الواقع والأرقام الأكاديمية المستقلة في المُجمل وكذلك غلاء المُهور وانعدام السَّكن لمعظم الشَّباب من الجنسيين وارتفاع تكاليف الحياة اليومية وهي تُعتبر بالتالي من أهمِّ العقبات أمام الزَّواج لكلا الجنسين.
زيادةً على أسباب أخرى اجتماعية وبسيكولوجية كالخوف من الارتباط أو رغبة بعض الفتيات في إكمال دراستهنَّ العليا أو تحقيق الذّات وإثبات وجودهنَّ اجتماعياً من خلال التَّرقي في السُّلم الوظيفي...الخ إلى غيرها من الأسباب التي تختلف باختلاف عمر الفتاة أو الشَّاب أو تباين مستوياتهم الطبقية أو العلمية أو البيئة الاجتماعية التي ينحدرون منها بالإضافة إلى أنَّ تغيير المفاهيم والذهنيات لدى المرأة ساهم إلى حدّ كبير في انتشار هذه الظاهرة. إذ أصبح الزواج آخر اهتماماتها خاصة إذا كانت ذات مستوى مادي أو علمي مرتفع.


لابد من وضع آليات للقضاء على الآفة
فيما يذهب السيِّد عز الدين حديدي-وهو إمام مسجد في الجزائر العاصمة إلى أنَّ العادات والتقاليد البالية والمتخلِّفة أصبحت تشكل حجر عثرة وعائقاً أمام إقدام الشَّباب على الزواج وإكمال نصف دينهم بالتالي حسب المنظور العقائدي والمجتمعي الجزائري.
فانتشار هذه الظاهرة وما يلحقها من تبعات اجتماعية واقتصادية على سمعة الفتاة أسرياً ومجتمعياً وكذلك التَّهديد الذي تسبِّبه للدَّولة والمجتمع ككل مستقبلا يستدعي وضع إستراتيجية سياسية واقتصادية بعيدة المدى لمعالجتها والحدِّ من أثارها السِّلبية على المجتمع لأنَّ الأمن القومي للدَّولة سيكون محلَّ تهديد حقيقي وجدِّي بمرور الوقت أن لم تتمَّ معالجتها سريعاً وعلى الدَّولة أن تحذُو حذوَ دول عربية وإسلامية وحتى مسيحية وذلك بأن تقوم بإقامة أعراس جماعية لتزويج الشَّباب والشَّابات بمشاركة جمعيات المُجتمع المدني وفعَّالياته والتي للأسف أصبحت بعض الجمعيات النسوية العلمانية الاتجاه والإيديولوجية والتفكير داخله تشنُّ هجوما شرساً وحاداً في الإعلام الوطني المحلي ضدَّ كل من يحاول التطرق إلى هذه الظاهرة بالدِّراسة والتحليل بغية الإضاءة على جوانبها الخفية من أجلِ معالجتها.


حثّ الشباب على الزواج ضرورة قصوى  
وكذلك على السُّلطات العلياَ في البلاد أن تقوم بعمل ورشات وعقد ندوات وطنية بحضور خبراء ومختصِّين وطنيين وأجانب لمحاولة فهم ظاهرة العنوسة والتكفُّل بضحاياها الكُثر وتوفير سكنات مدعَّمة مع التكفل بكل مصاريف الزَّواج التي أصبحت تقصم ظهر الشَّاب الجزائري بالموازاة مع إطلاق حملة إعلامية ودينية مركَّزة لتغيير المفاهيم وحثِّ الشَّباب على الزواج مع تحسسيهم بأنَّ الدولة سوف ترعاهم وتقدم لهم يد المشورة والعون والتَّأييد في مشوارهم لدخول القفص الذهبي كما تفعل تركيا مثلا كل سنة.
وإلا فالدَّمار والطوفان قادم لا محالة إنْ بقيت هذه النِّسب المهولة من الشَّباب والشابات دون زواج مع كل ما يترتب عن هذه الظاهرة من انحرافات وآفات وسلوكيات اجتماعية لا يقبلها عقل ولا دين ولا منطق صحيح أو فطرة سليمة والتي بدأنا نعاني من تبعاتها في السَّنوات القليلة الفارطة ومنها ظاهرة الأمهات العازبات وارتفاع معدلات الزِّنا والاغتصاب وغيرها من الظواهر الخطيرة المسكوت عنها إعلامياَ وحتى اجتماعياَ.