تجنب الفتنة وأصلح بين المسلمين

  • PDF


تجنب الفتنة وأصلح بين المسلمين
روائع الحسن البصري..
 عاش الحسن البصري الشطر الأكبر من حياته في دولة بني أمية وكان يرفض سفك الدماء ولم يخرج مع أي ثورة مسلحة وكان يرى أن الخروج يؤدي إلى الفوضى والاضطراب ولما كانت فتنة ابن الأشعث الذي قاتل الحجاج بن يوسف انطلق عقبة بن عبد الغافر وأبو الجوزاء وعبد الله بن غالب في نفر من نظرائهم فدخلوا على الحسن فقالوا: يا أبا سعيد ما تقول في قتال هذا الطاغية الذي سفك الدم الحرام وأخذ المال الحرام وترك الصلاة وفعل وفعل؟ فقال الحسن: أرى ألا تقاتلوه فإنها إن تك عقوبة من الله فما أنتم برادي عقوبة الله بأسيافكم وإن يكن بلاء فاصبروا حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين فخرجوا من عنده وهم يقولون: نطيع هذا العلج؟! (يعنون: الأعجمي) وهم قوم عرب وخرجوا مع ابن الأشعث فقتلوا جميعاً. 
ولم يكن موقفه من الفتن يصدر عن تخاذل ولا خوف من سلطان الحاكم فقد كان يخاف مخاطر الفتن وما ينتج عنها من مضار جسيمة بالأمة. شجاعته وأثره في الآخرين قصته مع الفرزدق عن إياس بن أبي تميمة يقول: شهدت الحسن في جنازة أبي رجاء على بغلة والفرزدق إلى جنبه على بعير فقال له الفرزدق: قد استشرفنا الناس يقولون: خير الناس وشر الناس قال: يا أبا فراس كم من أشعث أغبر ذي طمرين خير مني؟ وكم من شيخ مشرك أنت خير منه؟ ما أعددت للموت؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله قال: إن معها شروطًا فإياك وقذف المحصنة قال: هل من توبة؟ قال: نعم. قصته مع ابن سيرين كان بين الحسن البصري وبين محمد بن سيرين هجرة فكان إذا ذكر ابن سيرين عند الحسن يقول: دعونا من ذكر الحاكة وكان بعض أهل ابن سيرين حائكًا فرأى الحسن في منامه كأنه عريان وهو قائم على مزبلة يضرب بالعود فأصبح مهموما برؤياه فقال لبعض أصحابه: امض إلى ابن سيرين فقص عليه رؤياي على أنك أنت رأيتها فدخل على ابن سيرين وذكر له الرؤيا فقال ابن سيرين: قل لمن رأى هذه الرؤيا لا تسأل الحاكة عن مثل هذا. فأخبر الرجل الحسن بمقالته فعظم لديه وقال: قوموا بنا إليه فلما رآه ابن سيرين قام إليه وتصافحا وسلم كل واحد منهما على صاحبه وجلسا يتعاتبان فقال الحسن: دعنا من هذا فقد شغلت الرؤيا قلبي. 
فقال ابن سيرين: لا تشغل قلبك فإن العري عري من الدنيا ليس عليك منها علقة وأما المزبلة فهي الدنيا وقد انكشفت لك أحوالها فأنت تراها كما هي في ذاتها وأما ضربك بالعود فإنه الحكمة التي تتكلم بها وينتفع بها الناس. فقال له الحسن: فمن أين لك أني أنا رأيت هذه الرؤيا؟ قال ابن سيرين: لما قصها علي فكرت فلم أر أحدًا يصلح أن يكون رآها غيرك. 
*قصته مع عمر بن عبد العزيز
 كتب الحسن بن أبي الحسن إلى عمر بن عبد العزيز: أما بعد يا أمير المؤمنين اعلم أن الدنيا ليست بدار إقامة وإنما أهبط آدم إليها عقوبة فبحسب من لا يدري ثواب الله أنه ثواب وبحسب من لا يدري عقاب الله أنه عقاب ليست صرعتها كالصرعة تهين من أكرمها وتذل من أعزها وتفقر من جمعها ولها في كل حين قتيل فالزاد منها تركها والغنى فيها فقرها هي والله يا أمير المؤمنين كالسم يأكله من لا يعرفه ليشفيه وهو حتفه فكن فيها يا أمير المؤمنين كالمداوي جرحه يحتمي قليلاً مخافة ما يكره طويلاً ويصبر على شدة الدواء مخافة البلاء فأهل البصائر الفضائل فيها يا أمير المؤمنين مشيهم بالتواضع وملبسهم بالاقتصاد ومنطقهم بالصواب ومطعمهم الطيب من الرزق قد نفذت أبصارهم في الآجل كما نفذت أبصارهم في العاجل فخوفهم في البر كخوفهم في البحر ودعاؤهم في السراء كدعائهم في الضراء ولولا الأجل الذي كتب عليهم لم تقر أرواحهم في أبدانهم إلا قليلاً خوفًا من العقاب وشوقًا إلى الثواب عظم الخالق في أعينهم وصغر المخلوق عندهم فارض منها بالكفاف وليكفك ما بلغك المحل. 
*قصته مع الحجاج 
عندما استتب للحجاج أمر العراق واستطاع أن يُلجم لسانهم ويدعوهم إلى الطاعة أقام لنفسه قصرًا مشيدًا وبيتًا في مدينة واسط الواقعة بين البصرة والكوفة وعندما انتهى من بنائه طلب من الناس الخروج إليهم لرؤيته ومشاهدته عن كثب ووصف جماله وبهرجته وروعته فلما وصل الخبر إلى الحسن البصري رحمه الله وجد أن هذا التجمع يعد فرصة مواتية لإحقاق الحق ودعوة الناس إلى الخير وصرفهم عن الزخارف وجمالها بما عند الله من فضل ويذكرهم بالله وبأن الدنيا وبهجتها لا تسوي شيئًا عند الله تعالى. 
خرج الحسن البصري فوجد أهل العراق يطوفون بقصر الحجاج فقال في حماسة ولهجة وعظ: لقد نظرنا فما أبتنى أخبث الناس فوجدنا أن فرعون قد شيد أعظم مما شيد وبنى أعلى مما بنى ثم أهلك الله فرعون وآتى على ما بنى وشيد… ليت الحجاج يعلم أن أهل السماء قد مقتوه وأن أهل الأرض قد غرّوه . وقد مضى على تلك الطريقة فأخذ يفضح الحجاج بأبشع الألفاظ حتى إن الحاضرين قد أشفقوا عليه من الحجاج فقالوا لهم: حسبك يا أبا سعيد حسبك هذا ولكنه ردهم بأن الله قد أخذ على أهل العلم والدين الميثاق ليبيننه للناس ولا يكتمونه وها أنا أبين لكم ما خفي عنكم. 
فاستشاط الحجاج غضبًا مما قاله الحسن وتعجب على جرأته عليه وهو يعلم عاقبة أمره. نظر الحجاج إلى جلسائه وقال: تبًا لكم وسحقًا يقوم عبدٌ من عبيد أهل البصرة ويقول فينا ما شاء أن يقول ثم لا يجد فيكم من يرده أو ينكر عليه! والله لأسقينكم من دمه يا معشر الجبناء .
 ثم نادى على السياف وأمره بإحضار النطع ودعا الجلاد فحضر بين يديه ثم أعطى أمره إلى الشرطة بإحضار الحسن. 
وجاء الحسن شامخًا وشفتاه تتحركان بكلمات لا يعيها من حوله وتوجه إلى الحجاج في عزة نفس وعزيمة وإقبال. فما إن رآه الحجاج حتى قال له في مهابة ووقار لا يصدقان: ها هنا يا أبا سعيد ها هنا حتى أجلسه على مجلسه وسط دهشة عارمة من الحاضرين.
 ثم بدأ يوجه إليه الأسئلة فيما يحير ويحتاج إلى علم وفقه والحسن يجيبه في كل ما يسأل بما لديه من سعة علم وفضل فما كان من الحجاج إلا أن قال له: أنت سيد العلماء يا أبا سعيد ثم قام فطيب له لحيته بأغلى أنواع الطيب وودعه. فلما خرج الحسن وجد الحاجب خلفه ينادي عليه قائلاً: يا أبا سعيد لقد دعاك الحجاج لغير ما فعل بك وأنى رأيتك عندما أقبلت ورأيت السيف والنطع حركت شفتيك فماذا قلت؟ . فتبسم الحسن له وقال: لقد قلت: يا ولي نعمتي وملاذي عند كربتي اجعل نقمته بردًا وسلامًا عليّ كما جعلت النار بردًا وسلامًا على إبراهيم .