هكذا ربّى رسول الله صحابته..

  • PDF

وصايا هامة في المدرسة النبوية
هكذا ربّى رسول الله صحابته..
الشباب.. مرحلة الفُتُوَّة والعُنفُوان والقوة والحماسَة فإذا لم تُرشَّد هذه الحماسة انقلَبَت إلى غوغائيَّة وفوضويَّة وجرَّت على صاحبها الحسرات وعلى الأمة الفتن والبلايا.. فالشباب هم قوة الأمة وعماد نهضتها ومبعث عزتها وكرامتها وهم رأس مالها وعدة مستقبلها فدورهم في الحياة دور عظيم جدًّا ومن يطالع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم يجد أن معظم أصحابه كانوا شباباً وكثير من أتباعه عليه الصلاة والسلام كانوا من الشبيبة الفتية أصحاب الهمم العلية والنفوس الزكية الذين زعزع الله بهم عروش كسرى وقيصر فأخرجوا العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله)) وذكر منهم: شاب نشأ في طاعة الله .
وقد انتشر الإسلام بالأساس على أكتاف الشباب.. فهذا عليٌّ – رضي الله عنه – يحمِلُ الرايةَ يوم بدر وهو ابن عشرين سنة.. وأسامةُ يقودُ الجيشَ وهو ابن ثمانية عشر عامًا.. والبحرُ الحَبرُ عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – مات النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – وعمرُه ثلاث عشرة سنة.. وزيدُ بن ثابت كان عُمرُه إحدى عشرة سنة حين قدِمَ النبيُّ – صلى الله عليه وسلم – إلى المدينة فكان كاتِبًا للوحي.. ومُصعبُ بن عُمير الشابُّ الداعيةُ الذي ترك الدنيا كلَّها لله ورسولِه والحسنُ والحُسينُ سيدا شباب أهل الجنة – رضي الله عن جميع الصحب الأخيار وأرضاهم -.
ولقد أولى الإسلامُ عنايتَه بشريحة الشَّباب ووجَّه الأنظارَ إلى العناية بهم ورعايتهم وتوجيههم التوجيهَ السَّليم لأنَّهم أسرع استجابة للحقِّ وأكثر انقيادًا ومحبَّة له وإنَّ الإنسان في مراحل العمر الزَّمني أقوى ما يكون نشاطًا وقوة وحيوية ومحبَّة في حال الفتوَّة والشباب ﴿ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْف ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْف قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّة ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ الروم: 54.
إنَّ رسولنا الكريم صلَّى الله عليه وسلم حرَص على الاهتمام بالشَّباب ورِعايتهم واكتشاف مواهبهم وتوجيهِها في خِدمة الإسلام والمسلمين وليس أدل على ذلك من الأحاديث النبويَّة الشريفة جاء عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((سبعةٌ يُظلُّهم اللهُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمامٌ عادل وشابٌّ نشأ في عبادة الله عزَّ وجل...)) فذكر مِن بينهم: ((شاب نَشأ)) وترعرَع ((في طاعة الله)) وتمسَّك بالفضائل والآداب الإسلاميَّة وفطم نفسَه عن شهوات الدُّنيا وملذَّاتها ومَنع هواه من اتِّباع النَّفس الأمَّارة بالسوء.
ومن أجل ذلك كان رسولنا الكريم عليه أفضل الصَّلاة وأتمُّ التسليم يحثُّ الشبابَ على توجيه طاقاتِهم في استثمار الوقت واستغلال الفرَص فيما يَنفع ويفيد الأمَّة وأن يكون طاقةً مفيدة وشُعلةً نيِّرة وفي الحديث عن ابن عباس - وهو من الفتيان الذين آتاهم الله العلمَ والفِقه في الدِّين - قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لِرجل وهو يعظه: اغتنِم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك وصحَّتك قبل سقمِك وغِناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلِك وحياتك قبل موتك .
* قواعد واسس
كما وضع الإسلام الأسسَ والقواعد التي مِن شأنها أن تربِّي الشباب وتقوِّم أخلاقهم وتهذِّب نفوسهم من أجل أن يكونوا أداةً صالحة في خِدمة دينهم ومجتمعِهم ومن تِلك الأسس التي وضعَها الإسلامُ وركَّز عليها:
التربية الحقَّة على معاني العقيدة الصَّحيحة والتوحيد الخالص مثل الإيمان بالله واليوم الآخر واتِّباع خيرِ الهَدي ومحبَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم والاقتداء به ظاهرًا وباطنًا والسبب أنَّ الإيمان واليقين الجازِم بالعقيدة ومعانيها وأصولها يثمِر سائرَ الأخلاق الحسنَة والفضائل السامِية كالصدق والوفاء والشجاعة وإيثار محابِّ الله على مَحابِّ النَّفس والحلم والصبر والإنفاق والتواضع وقد مدح اللهُ المؤمنين الذين بذلوا أرواحَهم رخيصةً في سبيله ولم يبدلوا بل ثَبتوا على الحقِّ ووطَّنوا أنفسَهم على التمسُّك به: ﴿ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ الأحزاب: 23.
وقد سأل هرقلُ أبا سفيان: هل يرتدُّ أحدٌ مِنهم عن دينه بعد أن يدخُل فيه سخطةً له؟ فقال: لا فقال هرقل: وكذلك الإيمانُ إذا خالَط بشاشة القُلُوب .
* خير امة
ولقد تخرَّج في مدرسة الإسلام ومَعهد الشريعة الغرَّاء رجالٌ أفذاذ حازوا قصب السَّبق في شتى الميادين وعلى كافَّة الأصعِدَة وكانوا مثالًا للشَّباب المؤمن المتفاني في سبيل الله وخِدمة الدِّين والحِفاظ على هويَّتهم الإسلاميَّة وكانوا جلُّهم وغالبيَّتهم من الشباب كأبي بكر في صِدقه وعمر في قوَّته وعثمان في حيائه وعليّ في شجاعته وابن عباس في فقهه وعِلمه ومصعب في بسالَتِه وخالد في قِتاله وإقدامه وبلال في عذوبة صَوته واستحقَّ هؤلاء الفتية أن يَمتدحهم الباري بقوله: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110] رجال سطَّروا أروعَ الصَّفحات من المجد ناصِعةً مشرِقة في جبين تاريخ أمَّتنا الإسلاميَّة.
ما أحوج أمَّة الإسلام إلى هذه النَّماذج المثاليَّة والأنوار البهيَّة ليكونوا مثالًا يُحتذى به في سائر الأخلاق ومعالِي الأمور ما أحوج المسلمين إلى شباب تكون لَهم هِمَم عالِية ونفوس زكيَّة وقلوب طاهرة ما أحوج أمَّتنا وهي تمرُّ بمنعطف خطير ومرحلة صعبة حيث تربُّص الأعداء وإحاطتهم بنا إحاطة السِّوار بالمعصم ومصائب تترى تنزل كالصَّواعِق على بلاد الإسلام وأمواجٌ عاتية تلطم أسوارَها تكاد تحطمها وتهد أركانها - ما أحوجنا إلى شباب لَهم أهداف واضِحة ونفوس أبيَّة وبصيرة قويَّة.
إنَّ النَّاظر المتأمِّل في حال أمَّتنا والمتمعِّن في واقعنا - يجد صورًا مؤسِفة عن شباب تغيب لديهم القِيَم النَّبيلة ولديهم قلَّة الوعي بالدين شباب يَفتقدون للقدوة الصَّالحة التي تَمنحهم القوَّةَ والقدرةَ على العطاء والبذل شباب يحيدون عن مَنهج الوسطيَّة والاعتدال فهم بين متشدِّد متحمِّس يوجِّه طاقتَه فيما يُضِرُّ بمجتمعه ودينه وبلده وينخرط في دائرة الفِرَق المنحرِفة وبين شباب متميِّع متسكِّع متَّبع لهواه وشهوة بطنه وفرجه يتَّخذ من الشواذِّ قدوةً ومثالًا قد فقد هويَّته الإسلاميَّة والعربيَّة.