قبسات من الهجرة النبوية..

  • PDF

هكذا كانت درسًا في التوكل على الله
قبسات من الهجرة النبوية..
اشتملت الهجرة النبوية على عدد من القيم الإسلامية الراقية فهي إذن من الله تعالى لنبيه ومصطفاه بالخروج من مكان لمكان ومن أهم الدروس التي يمكن أن نقف معها في هذه الرحلة المباركة درس التوكل على الله تعالى.
*ملابسات الهجرة النبوية وظروفها:
من يتأمل الهجرة وملابستها وظروفها من تضييق على المسلمين واضطهاد بلغ حد التعذيب يدرك جيدا أنها كانت فتحا مبينًا وخروجا من الضيق إلى السعة فلقد تعرض المسلمون لكثير من التعذيب على أيدي كفار قريش الذين أنكروا الدعوة وآذووا رسولها.
ولقد صبر النبي واحتسب وكان يصبر أحبابه وأصحابه ومن هذا انه حينما كان يمر على آل ياسر وهو يعذبون كان يقول لهم: صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة..  
لكنه كان في كل أمور متوكلا على الله  آخذا بكل ما من شأنه رفعة الإسلام ولم ينتصر لنفسه قط كما أنه كان يأخذ بالأسباب لكنه لا يجعل الأسباب هي التي تنشئ النتائج فيتوكل عليها كما أمر يقول الله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ (النساء: 71). وقال تعالى: وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّة وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ اللّهِ وَعَدُوَّكُمْ (الأنفال: 60)  قال تعالى: وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (آل عمران: 122). وقال تعالى: فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ (آل عمران: 159)   وقال تعالى: وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ .المائدة: 23.
ومن المعلوم أن الأخذ بالأسباب في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لا تنفك أبدا عنه ف في كل مراحل دعوت وكان يحث أصحابه وهذا من كمال التوكل على الله فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم ظاهر في الحرب بين درعين ولبس على رأسه المغفر وأقعد الرماة في الشعب وخندق حول المدينة وأذن في الهجرة إلى الحبشة وإلى المدينة وهاجر هو وتعاطى أسباب الأكل والشرب وادّخر لأهله قوتهم ولم ينتظر أن ينزل عليه من السماء وهو كان أحق الخلق أن يحصل له ذلك ومع كل ذلك لا يظن برسول الله صلى الله عليه وسلم أنه مال إلى شيء من الأسباب غفلة مقدار طرفة عين.
*التخطيط الجيد للهجرة من كمال التوكل على الله:
لقد بلغ التوكل على الله في الهجرة مبلغا عظيما حتى كان يضرب بالهجرة المثل في التوكل فهذا رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم يجيء إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحرّ ـ الوقت الذي لا يخرج فيه أحد ـ بل من عادته لم يكن يأتي إليه في ذلك الوقت لماذا؟ حتى لا يراه أحد. إخفاء شخصيته صلى الله عليه وسلم في أثناء مجيئه للصّدّيق وجاء إلى بيت الصّدّيق متلثماً لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم. أمر صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يُخرج من عنده ولما تكلّم لم يبين إلا الأمر بالهجرة دون تحديد الاتجاه. كان الخروج ليلاً ومن باب خلفيّ في بيت أبي بكر. بلغ الاحتياط مداه باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم والاستعانة في ذلك بخبير يعرف مسالك البادية ومسارب الصحراء ولو كان ذلك الخبير مشركاً مادام على خُلُق ورزانة وفيه دليل على أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان لا يحجم عن الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها كما أن انتقاء شخصيات لتقوم بالمعاونة في شؤون الهجرة ويلاحظ أن هذه الشخصيات كلها تترابط برباط القرابة أو برباط العمل الواحد مما يجعل هؤلاء الأفراد وحدة متعاونة على تحقيق الهدف الكبير. وضع كل فرد من أفراد هذه الأسرة في عمله المناسب الذي يجيد القيام به على أحسن وجه ليكون أقدر على أدائه والنهوض بتبعاته. فكرة نوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مكان الرسول صلى الله عليه وسلم فكرة ناجحة.
*حسن التوكل على الله في الهجرة:
كثيرة هي المواقف والأساليب التي اتخذها النبي صلى الله عليه وسلم في هجرته المباركة التي تدل على حسن توكله على الله وقد ذكرت اللجنة العلمية لطريق الإسلام بعضا من هذه الأسباب كالتالي:
- الإسرار لأبي بكر بخبر الهجرة وكتمان ذلك عن أهل بيته في بداية الأمر حيث قال له: أخرج من عندك .
- إعداد راحلتين قبل مدة طويلة من الهجرة إذ لو اشترى الراحلتين قبيل الهجرة فربما لفت أنظار قريش إلى ذلك وماذا يريد أبو بكر بهاتين الراحلتين إلا لأمر بيته مع محمد؟ وبخاصة بعد تفاقم الأزمة واشتداد الوحشة بعد بيعة العقبة الثانية وهذه رواية البخاري.
- التعريض له بالخبر فلم يقطع له النبي صلى الله عليه وسلم بأمر الصحبة في الهجرة وإنما قال: لعل الله يجعل لك صاحباً .
- اختيار الصاحب المناسب وهو أبو بكر الصديق اختاره من بين جميع الصحابة.
- زيارة أبي بكر كل يوم فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخطئه يوم أن يأتي أبا بكر غدوة وعشية وعلى هذا لم يكن الأمر غريباً على قريش في مجيئه إليه وقت التخطيط للهجرة.
- تغيير الوقت المعتاد للزيارة ولعل ذلك بسبب الرصد من قبل قريش لزياراته في الوقت المعتاد.
- دفع الراحلتين إلى الدليل قبل الهجرة.
- اختيار الوقت المناسب للزيارة وهو وقت الظهيرة حيث يستظل الناس ويكونون في بيوتهم. - الخروج إلى أبي بكر متنكراً بالقناع حتى لا يعرف.
وغير ذلك من الأسباب التي تدل على حسن التخطيط وكمل التوكل على الله  وبهذا صارت الهجرة درسا بليغا  للأخلاق والمعاني السامية لا سيما التوكل على الله.