وثيقة المدينة.. النموذج الأمثل للتعايش

  • PDF

*الشيخ راغب السرجاني
هاجر النبيُّ صلى الله عليه وسلم من مكَّة إلى المدينة المنوَّرة شمالًا بعد اضطهاد دام ثلاثة عشر عامًا متَّصلة ذاق المسلمون فيها صنوف الألم والعذاب والضيم وكانت المدينة المنوَّرة (يثرب وقتئذ ) بمثابة الملجأ الآمن والمسكن الهادئ الذي ابتغى المهاجرون وعلى رأسهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم فيه الاستقرار والأمن.
على أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم ما كاد يحطُّ رحاله في هذه المدينة الجديدة إلَّا ووجدها تتكوَّن من عناصر متفاوتة وانتماءات مختلفة وطوائف شتَّى وتاريخ مشوب بالتوتُّرات والحروب القديمة وكانت هذه العناصر كما يلي: الأوس المسلمون (وهم بطون) الخزرج المسلمون (وهم بطون) يهود (طوائف: بنو عوف بنو جشم بنو ساعدة بنو ثعلبة بنو النجار بنو الحارث بنو الشطيبة فضلًا عن اليهود الأصليِّين: قريظة والنضير وقينقاع وغيرهم..) والأوس الكافرون (بطون) والخزرج الكافرون (بطون) والموالي بالإضافة إلى المهاجرين القادمين من مكَّة ثُمَّ علاقة المدينة بالمدن والقبائل المحيطة بها.
هذا التنوُّع العقدي والثقافي والعرقي الذي واجهه النبيَّ صلى الله عليه وسلم كان من الطبيعي أن يضعه أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: إمَّا التعارف على ما اتَّفقوا عليه واشتركوا فيه بينهم ليضمنوا عيشًا مشتركًا هادئًا. وإمَّا التصادم والتناحر وفرض السيطرة بالقوَّة والدم وكلُّنا يعلم العواقب المترتِّبَة على الحروب والصراعات.
على أنَّ أخلاق النبوَّة والإسلام جعلت النبيَّ صلى الله عليه وسلم لا يتردَّد في أن يسلك سبيل التعارف والاتفاق من أجل تحقيق المصلحة المشتركة التي يبتغيها الجميع وهي تحقيق المواطنة والتعايش مع الإقرار بهذا التنوُّع العقدي والثقافي والعرقي فكان ممَّا لا مفرَّ منه أن يضع دستور الدولة بالمدينة .
لقد رسمت وثيقة المدينة وأضرابها من المواثيق والعهود التي وقَّعها النبيُّ صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه من بعده المعالمَ الرئيسة لكيفيَّة التعامل والتعاقد والشراكة والتكامل والتعارف والتوافق مع الشركاء في الوطن الواحد وهو اعترافٌ صريحٌ مباشرٌ بإقرار التنوُّع العقدي والفكري والقومي والعرقي في الإسلام ودليلٌ قويٌّ على الفضاء الواسع للقيم الإسلاميَّة وإنسانيَّتها وهو فضاءٌ لا يحدُّه الزمان والمكان ومن هنا تأتي أهميَّة هذه الوثيقة.
ولذلك قال كثيرٌ من علماء القانون الدولي وفلاسفة الفكر العالمي: إنَّ هذه الوثيقة نقلت الإنسانيَّة من الإطار السياسي الضيِّق ومن دولة العشيرة والقبيلة ومن الدولة القوميَّة والمذهبيَّة إلى الدولة الإنسانيَّة العالميَّة التي تضمُّ شعوب الأرض على اختلاف أصولهم العرقيَّة وانتماءاتهم القوميَّة وعقائدهم الدينيَّة واستطاعت بنجاح أن تُحَقِّقَ مبدأ التعارف والعيش المشترك.
* نموذج التعايش
وقبل الوقوف مع الوثيقة وتأمُّل كافَّة الجوانب المتعلِّقَة بها التي هي نموذج لِمَا نسعى إليه في الكتاب نذكرها فيما يلي:
بسم الله الرحمن الرحيم
1-هَذَا كِتَابٌ مِنْ مُحَمَّد النَّبِيِّ (رَسُولِ اللهِ) صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ قُرَيْش وَأَهْلِ يَثْرِبَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فَلَحِقَ بِهِمْ وَجَاهَدَ مَعَهُمْ.
2- إِنَّهُمْ أُمَّةٌ وَاحِدَةٌ مِنْ دُونِ النَّاسِ.
3- الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قُرَيْش عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ بَيْنَهُمْ وَهُمْ يَفْدُونَ عَانِيَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
4-وَبَنُو عَوْف عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
5-وَبَنُو الْحَارِثِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
6-وَبَنُو سَاعِدَةَ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
7- وَبَنُو جُشَم عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
8- وبَنُو النَّجَّارِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
9-وَبَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْف عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
10-وَبَنُو النَّبِيتِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
11-وَبَنُو الْأَوْسِ عَلَى رِبْعَتِهِمْ يَتَعَاقَلُونَ مَعَاقِلَهُمُ الْأُولَى وَكُلُّ طَائِفَة تَفْدِي عَانِيَهَا بِالْمَعْرُوفِ وَالْقِسْطِ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ.
12- وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَتْرُكُونَ مُفْرَحًا بَيْنَهُمْ أَنْ يُعْطُوهُ بِالْمَعْرُوفِ مِنْ فِدَاء أَوْ عَقْل .
13- وَأَنْ لَا يُحَالِفُ مُؤْمِنٌ مَوْلَى مُؤْمِن دُونَهُ.
14-وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ أَيْدِيهمْ عَلَى كُلِّ مَنْ بَغَى مِنْهُمْ أَوْ ابْتَغَى دَسِيعَةَ ظُلْم أَوْ إِثْمًا أَوْ عُدْوَانًا أَوْ فَسَادًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّ أَيْدِيَهُمْ عَلَيْهِ جَمِيعًا وَلَوْ كَانَ وَلَدَ أَحَدِهِمْ.
15- لَا يَقْتُلُ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنًا فِي كَافِر وَلَا يَنْصَرُ كَافِرًا عَلَى مُؤْمِن .
16-وَإِنَّ ذِمَّةَ اللهِ وَاحِدَةٌ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ وَإِنَّ الْمُؤمِنِينَ بَعْضَهُمْ مَوَالِي بَعْض دُونَ النَّاسِ.
17-وإنَّه مَنْ تَبِعَنَا مِنَ يَهُودِ فَإِنَّ لَهُ الْنَّصْرَ وَالْأُسْوَةَ غَيْرَ مَظْلُومِينَ وَلَا مُتَنَاصِر عَلَيْهِمْ.
18-وإنَّ سِلْمَ الْمُؤْمِنِينَ وَاحِدَةٌ لَا يُسَالَمُ مُؤْمِنٌ دُونَ مُؤْمِن فِي قِتَال فِي سَبِيلِ اللهِ إِلَّا عَلَى سَوَاء وَعَدَل بَيْنَهُمْ.
19-وَإِنَّ كُلَّ غَازِيَة غَزَتْ مَعَنَا يَعْقُبُ بَعْضُهَا بَعْضًا.
-20وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ يَبِيءُ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْض بِمَا نَالَ دِمَاءَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ.
21-وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقِينَ عَلَى أَحْسَنِ هُدًى وَأَقْوَمِهِ.
22-وإنَّه لَا يُجِيرُ مُشْرِكٌ مَالًا لِقُرَيْش وَلَا نَفْسًا وَلَا يَحُولُ دُونَهُ عَلَى مُؤْمِن .
23-وَإِنَّه مَنْ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا عَنْ بَيِّنَة قُوِّدَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى وَلِيُّ الْمَقْتُولِ بِالْعَقْلِ وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِ كَافَّةً وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ إِلَّا قِيَام عَلَيْهِ.
24-وَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ لِمُؤْمِن أَقَرَّ بِمَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَآمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَنْصُرَ مُحْدِثًا أَوْ يُئْوِيَهُ وإنَّ مَنْ نَصَرَهُ أَوْ آوَاهُ فَإِنَّ عَلَيْهِ لَعْنَةَ اللهِ وَغَضَبَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ولَا يُؤْخَذُ مِنْهُ صَرْفٌ وَلَا عَدْلٌ.
25-وَإِنَّهُ مَهْمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْء فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
26-وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارِبِينَ.
27-وَإِنَّ يَهُودَ بَنِي عَوْف أُمَّةٌ مِعَ الْمُؤْمِنِينَ لِلْيَهُودِ دِينُهُمْ وَلِلْمُسْلِمِينَ دِينُهُمْ مَوَالِيهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَأَثِمَ فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
28- وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي النَّجَّارِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف .
29-وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْحَارِثِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف .
30-وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي سَاعِدَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف .
31-وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي جُشَم مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف .
32-وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي الْأَوْسِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف .
33-وَإِنَّ لِيَهُودِ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف إِلَّا مَنْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَأَثِمَ فَإِنَّهُ لَا يُوتِغُ إِلَّا نَفْسَهُ وَأَهْلَ بَيْتِهِ.
34-وَإِنَّ جَفْنَةَ بَطْن مِنْ ثَعْلَبَة كَأَنْفُسِهِمْ.
35-وَإِنَّ لِبَنِي الشَّطِيبَةِ مِثْلَ مَا لِيَهُودِ بَنِي عَوْف وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ.
36-وَإِنَّ مَوَالِيَ ثَعْلَبَة كَأَنْفُسِهِمْ.
37- وَإِنَّ بِطَانَةَ يَهُود كَأَنْفُسِهِمْ.
38-وَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلَّا بِإِذْنِ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم.
39-وَإِنَّهُ لَا يَنْحَجِزُ عَلَى ثَأْرِ جُرْحٌ وَإِنَّه مَنْ فَتَكَ فَبِنَفْسِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَإِنَّ اللهَ عَلَى أَبَرِّ مِنْ هَذَا.
40-وَإِنَّ عَلَى الْيَهُودِ نَفَقَتَهُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ نَفَقَتَهُمْ.
41-وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ حَارَبَ أَهْلَ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
42-وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النُّصْحَ وَالنَّصِيحَةَ وَالْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ.
43-وَإِنَّهُ لَمْ يَأْثَمْ امْرُؤٌ بِحَلِيفِهِ.
44-وَإِنَّ النَّصْرَ لِلْمَظْلُومِ.
45-وَإِنَّ الْيَهُودَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ مَا دَامُوا مُحَارَبِينَ.
46-وَإِنَّ يَثْرِبَ حَرَامٌ جَوْفُهَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ.
47-وَإِنَّ الْجَارَ كَالنَّفْسِ غَيْرَ مُضَارّ وَلَا آثِم.
48-وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ حُرْمَةٌ إِلَّا بِإِذْنِ أَهْلِهَا.
49-وَإِنَّهُ مَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مِنْ حَدَث أَوِ اشْتِجَار يُخَافُ فَسَادُهُ فَإِنَّ مَرَدَّهُ إِلَى اللهِ وَإِلَى مُحَمَّد رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنَّ اللهَ عَلَى أَتْقَى مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ.
50-وَإِنَّهُ لَا تُجَارُ قُرَيْشٌ وَلَا مَنْ نَصَرَهَا.
51-وَإِنَّ بَيْنَهُمْ النَّصْرَ عَلَى مَنْ دَهَمَ يَثْرِبَ.
52-وَإِذَا دُعُوا إلَى صُلْح يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ فَإِنَّهُمْ يُصَالِحُونَهُ وَيَلْبَسُونَهُ وَإِنَّهُمْ إذَا دُعُوا إلَى مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَهُمْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إلَّا مَنْ حَارَبَ فِي الدِّينِ.
53- عَلَى كُلِّ أُنَاس حِصَّتُهُمْ مِنْ جَانِبِهِمْ الَّذِي قِبَلَهُمْ.
54-وَإِنَّ يَهُودَ الْأَوْسِ مَوَالِيَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَلَى مِثْلِ مَا لِأَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ مَعَ الْبِرِّ الْمَحْضِ مِنْ أَهْلِ هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَإِنَّ الْبِرَّ دُونَ الْإِثْمِ لَا يَكْسِبُ كَاسِبٌ إلَّا عَلَى نَفْسِهِ وَإِنَّ اللهَ عَلَى أَصْدَقِ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ وَأَبَرِّهِ.
55-وَإِنَّهُ لَا يَحُولُ هَذَا الْكِتَابُ دُونَ ظَالِم أَوْ آثِم وَإِنَّهُ مَنْ خَرَجَ وَمَنْ قَعَدَ آمِنٌ بِالْمَدِينَةِ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ وَأَثِمَ وَإِنَّ اللهَ جَارٌ لِمَنْ بَرَّ وَاتَّقَى وَمُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم.
إنَّ التأمُّل في هذه الوثيقة بعين فاحصة باحثة عمَّا يُمكن أن نستخلصه ونخرج به من نتيجة وفائدة يلفت نظرنا إلى أنَّها ترنو إلى إقامة مجتمع مثالي لا يجحد التنوُّع ولا يُنكره بل يسعى إلى الإحاطة به والاستفادة منه وهو مع هذا يُقِيم مبادئ التعارف والتعايش واقعًا فعَّالًا بين مختلف الانتماءات والطوائف والعقائد لا كلامًا على الورق بلا فائدة أو نتيجة.
ولذلك لم يتجاهل النبيُّ صلى الله عليه وسلم السمات والمميِّزات الخاصَّة لكلِّ فئة من هؤلاء كما أنَّه حرص على إقامة المشتركات بين مَنْ كانوا أعداء متناحرين يقتل بعضهم بعضًا ويتربَّص بعضهم بعضًا وفي هذا من الإشارات والفوائد ما يُستخلص منه أنَّ البشر قادرون على الاجتماع حول المشتركات التي تُقَرِّبهم وتجعلهم متعارفين متعايشين إذا اتفقوا على ذلك بصيغ توافقيَّة تُراعي السمات والمميِّزات لكلّ منهم.