العراق.. بين نبوءة بومدين وعنجهية صدام

  • PDF

في الذكرى الـ42 لوفاة الموسطاش
العراق.. بين نبوءة بومدين وعنجهية صدام

بقلم: ع. ب. مسعودي

لأن بعض المواقف تكلف كثيرا سواء بالنسبة للأفراد أو حتى للأمم فإن ما حدث للعراق وما يشهده الآن هو انعكاس لكل المعطيات السابقة في الميدان حيث توحي بأن الوضع الراهن لن يعرف البلج في المستقبل القريب هذا الوضع المؤسف دفعني إلى كتابة هذا الموضوع الذي لم أجد أبلغ ما كان عليه هذا البلد من وصف إلا شهادة هذا الكاتب العراقي الذي كتب بمرارة:
ونحن أكبر مخزون على وجه الأرض كنَا في العراق أصحاب أقوى اقتصاد في العالم العربي دينارنا كان 11 ريال سعودي ونحن أصحاب أكبر حضارة تاريخية وعلمية كنا نعيش في أمان وفي رغد العيش حيث كان كل شيء مدعوم وكل عراقي من حقه أن يستلم قطعة أرض مجانا وقرض من البنك بدون فائدة وأما التعليم فقد كان إلزاميا. ومن كثرة الإعمار احتجنا إلى أيدي عاملة من كل الجنسيات حيث كان عندنا 9 مليون مصري غير الجنسيات الأخرى وكنا بحاجة لهم حيث سدوا لنا الجبهة الداخلية في حربنا على المجوس.
وعندما انتهت الحرب وشعرنا بعدم حاجتنا لهم ردينا لهم الجميل ( بعضنا كان يضربهم ويهينهم ويأكل أموالهم ظلماً وعدواناً.. وطردناهم وخرجوا وهم يبكون من الظلم والقهر فمنهم من عَمَّرَ بيتاً خلال ثمان سنين التي كنا بحاجتهم فلما انتهت حاجتنا منهم أخرجناهم من بلادنا مظلومين ظناً منّا أنّ حالنا والنعمة التي كنا فيها ستدوم وأنّ حاجتنا لهم انتهت ولكن الله يُمهل ولا يُهمل جاءت سنوات الحصار الاثنا عشر ووجدنا بعد ذلك الجوع والتشرّد والحاجة كي نعمل عندهم ولم تمرّ سوى أربع سنوات على هذا الحادث حتى أصبح العراقي الذي يجد عقد عمل في اليمن محظوظاً ومرّت سنين الحصار حتى طحنَّا نوى التمر وأكلناه بدل الشعير أما القمح فكان حلماً ونحن الذين كنّا أثرى الناس ولكّنه الظلم للضعفاء أوصلنا لهذا ومات خلال هذا الحصار مليون طفل عراقي جوعاً ومرضاً.
ثم جاء عام 2003 وبدأ الاحتلال الأمريكي وازداد الأمر سوءاً.. وجاء القتل والتشريد والاغتصاب والتجويع وأصبح الموت في كل بيت في العراق فمنذ عام 2005 إلى 2007 تجاوز عدد القتلى مليون قتيل وحسب إحصائية الأمم المتحدة يوجد خمسة مليون يتيم في العراق. 
و أما الغلاء فهو لا يوصف... فالمعيشه في العراق أصبحت أغلى من كل الدنيا...ولا تكادون تجدون بقعةً على الأرض إلا وتجدون عراقياً مشرداً فيها..
أرجو من إخواني المسلمين في كل مكان أن يتعظوا بما حصل لهذا البلد ويحذروا ظلمَ الناس ويكرموا ضيوفهم قبل أن يهينهم الله فوالله كنا نذهب إلى فنادق تركيا فكانوا يقولون جاء البترول والآن لا تكاد تجد فندقاً في تركيا إلا والخدم فيه عراقيين.. سامحوني على الإطالة ولنتذكر أن الدنيا دوارة وأنّ اللهَ يُمهل ولا يُهمل واشكروا الله اشكروا الله اشكروا الله وادعوا لبلدانكم وادعوا ببقاء الأمن والأمان فهو غاية لا يعرف قيمته إلا من فقده.
( انتهى نص الرسالة). رسالة من كاتب عراقي.


حسرة..
حقيقة هذا وصف مؤلم وشعور بالحسرة لما عانى منه الشعب العراقي وما يزال بسبب التهور في القرارات غير المدروسة وبسبب النرجسية والعنجهية التي كانت تميّز شخصية الرئيس الراحل صدام حسين غفر الله له.
لقد نصحه الرئيس الراحل هواري بومدين رحمه الله ولكنه لم يسمع بالنصيحة وهو الذي توسّط بينه وبين الرئيس الأسبق لإيران محمد رضا بهلوي (شاه إيران). حيث كانت المصالحة التاريخية بين نائب الرئيس العراقي صدام حسين وشاه إيران بوساطة الرئيس بومدين وذلك على هامش القمة التاريخية بالجزائر سنة 1975 وقال له: إذا أردت للعراق أن يكون قويا في كل المجالات فعليك بتقوية العلاقات مع إيران وابتعد عن براميل البترول لأنهم لا يحبون للعراق الخير. 

هلع في الخليج
وجاءت الثورة الإيرانية بقيادة آية الله الخميني حيث سقط نظام الشاه وبدأ الهلع والخوف يصيب دول الخليج مخافة أن تتم تعميم الثورة الإيرانية على مستوى دول الخليج وبما أن العراق كان أقوى الدول العربية في تلك المنطقة اقترحت دول الخليج على العراق صدَ الثورة الإيرانية مقابل أن يتكفلوا بمصاريفها مهما كان الثمن وتصادف ذلك مع تدهور العلاقة بين العراق وإيران بسبب ترسيم الحدود.
وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تعمل جاهدة عن طريق العمل المخابراتي من أجل السيطرة على ثروات المنطقة وإضعافها حفاظا على أمن إسرائيل كان لزاما تكثيف الجهود للإيقاع بين العراق وإيران باعتبارهما الدولتين القويتين في المنطقة وذلك ما تم بالفعل حيث بدأت حربا عنيفة بين الدولتين واستمرت 8 سنوات وبعد أن وضعت الحرب أوزارها طالب العراق بدفع الفواتير التي هي على عاتق دول الخليج بسبب الحرب الذي خاضها بالوكالة عنهم ولكن بعد اجتماعات ماراتونية رفضت دول الخليج تسديد ما عليهم وعلى رأسها دولة الكويت ففكر الرئيس العراقي الراحل صدام حسين بغزو الكويت وضمها لدولة العراق حينها طلب رأي سفيرة الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك فبعد استشارة إدارتها بواشنطن قالت له هذا الأمر لا يعنينا ويمكنكم تسوية أموركم بينكما.
فكان الرد عبارة عن مناورة من الإدارة الأمريكية حيث قام العراق بغزو الكويت وحدث ما حدث إلى أن تدخلت أمريكا لإجبار العراق على الخروج من الكويت وركزت على العراق بسبب تضرره من الحرب بدرجة أكبر من إيران وبالفعل انسحب بعد مدة من المماطلة وكسب الوقت ومن ثمة قامت الحرب على العراق من طرف أمريكا وحلفائها بدون أي اعتبار لمجلس الأمن ولا أخذ موافقته والتهمة هي امتلاك العراق للسلاح النووي المزعوم والتهديد الذي يشكله على المنطقة. وهي تهم واهية وباطلة بشهادة خبرائهم والكل يعرف ما صلت إليه أوضاع المنطقة ولو أن صدام حسين كان عطوفا على قبيلته ومقربيه لما قاموا بوشاية مكان اختبائه عكس مكانة نائبه عزت الدوري الذي كان له جميل على قبيلته مما جعلها تقوم بحمايته حتى وفاته بشكل طبيعي العام الماضي.
ولا يخفى على أحد صورة العراق بالذات الذي مازال في حرب داخلية مدمرة ذات بعد طائفي حيث استغل إقليم كردستان العراق فرصة الفوضى والحرب ضد الوحوش البشرية التي تتبنى الإسلام شعارا وأقام استفتاء للانفصال عن العراق ولكنه حوصر من طرف الدول المجاورة وعلى رأسها تركيا وإيران وعدم اعتراف الهيئة الأممية بهذا الانفصال إلى أن تراجعت سلطة الإقليم عن الانفصال بعد أن أصبحت في عزلة. 


إضعاف.. وضغوط
وبعد إضعاف العراق وتقسيمه وإرجاعه إلى العصر الحجري تم توجيه الجهود إلى إيران وفرض حظر اقتصادي عليها ولكن إيران لم ترضخ وتوجهوا بالضغوط على سوريا وطلبوا منها فك الارتباط فيما يخص اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة مع إيران وطرد قادة حماس والجهاد والابتعاد عن دعم حزب الله اللبناني ولكن رفض سوريا وصمودها جعل الولايات المتحدة مع دول الخليج يزرعون الفتنة داخليا بتمويل الجماعات المسلحة للوحوش البشرية كما أسميها لأن الدولة لها حدود وكيان وشعب وعلم والإسلام براء منهم وبالتالي فمن الخطأ الكبير تسميتها بالدولة الإسلامية فهذا التنظيم المتوحش ليس له علاقة لا بالإسلام ولا بالإنسانية حيث أن خطة الخليج كانت التصدي للمد الشيعي وحصره في إيران لكن المفارقة أنهم دمروا المنطقة بأموالهم وهاهو المذهب الشيعي يسيطر على العراق وعلى اليمن وانقلب السحر على الساحر.
من جهة أخرى شهدت سوريا الصمود حربا على العديد من الأصعدة ولولا وقوف قوات حزب الله وإيران وروسيا لكانت سوريا في خبر كان. وهاهي تنتصر على تلك الوحوش البشرية مثلما توقعت لها في إحدى مقالاتي بعنوان سوريا الجريحة.. المؤامرة الدنيئة والنصر القادم .
إنه مخطط أمريكي يتم تنفيذه منذ ثمانينيات القرن الماضي بغية تقسيم المنطقة وإضعافها حفاظا على أمن إسرائيل واستنزاف ثروات دول الخليج بدعوى حمايتها إذ أن كل هذا جاء وفق مخطط صهيوني أمريكي يقابله غباء لدى الدول العربية والإسلامية.
وبعد هذه القراءة التحليلية للوضع والمراحل والخلفيات يتضح لدينا أن الزعيم الراحل الرئيس هواري بومدين كان على حق وكانت لديه نظرة استشرافية ثاقبة عندما نصح الرئيس الراحل صدام حسين وقال له يجب أن تضع يدك في يد إيران وأن تبتعد عن براميل البترول. وما يثبت ذلك الواقع الذي تعيشه المنطقة بصفة عامة والعراق بصفة خاصة. 
وهكذا يذهب الرجال ويبقى الأثر ويا ليت الزمان يعود بنا إلى الوراء لنعاود التمعن في عراق الحضارة وشام الصمود لكن هذا مستحيل لأنهم في عداد قول الشاعر:
تلك آثارنا تدل علينا *** فانظروا بعدنا إلى الآثار 
وقول الآخر:
تَغَيَّرتِ الْبِلادُ وَمَنْ عَلَيْهَا *** فَوَجْهُ الأَرْضِ مُغْبَرٌّ قَبِيحٌ.


مفخرة
يجب على هذا الجيل ومن يأتي بعده أن يعي جيدا أنه يكفينا فخرا أن سياسة الزعيم بومدين أصبحت مرجعا فهاهي مدراس أشبال الثورة التي أغلقت بعد وفاته تعود بعد أكثر من 42 سنة وها هي مصانع الشاحنات والجرارات لشركة سوناكوم تصبح مزارا لكل رئيس دولة أو وزير أجنبي وها هو تجميع المجمعات الصناعية يعود بعد تم حلها وإعادة هيكلتها وهاهي السدود والمطارات والسد الأخضر والمعاهد الكبرى تبقى شاهدة على انجازاته وكلها تبقى بصمة لا ينكرها إلا جاحد وهاهو نظام التعليم الذي كان في عهده يصبح من الذكريات التي يتحسر عليها كل الشعب وكيف كان المستوى وكيف أصبح؟ وهاهي آثاره موجودة في كل شبر من هذا الوطن وهاهي الآفات تطفو على السطح وتسود وتصبح من يومياتنا من الانتحار إلى الهجرة غير الشرعية مرورا بفضائح الفساد اليومية. 
كنت محظوظا يا بومدين أنك غادرت هذه الدنيا ولم تواكب الإهانات التي نتعرض إليها من وقت إلى آخر من طرف دويلات كانت لا ترفع رأسها بمجرد سماع اسمك وأصبحنا نتلقى الإهانة ويبيت الشعب الجزائري أمام القنصليات ويفترش الأرض من أجل التوسّل للحصول على تأشيرة سواء بالنسبة لقنصلية فرنسا أو السعودية كما توالت الاهانات في الجمعية العامة الوطنية لفرنسا (البرلمان) وفي موريتانيا وفي الجامعة العربية وصلت بنا الأمور إلى الاعتذار باسم الدولة والشعب على تصرفات الأنصار في الملاعب ولا غرابة في ذلك مادامت الأمور قبلها بسنوات قد وصلت إلى حد تقبيل وزيرة سابقة للر جل المكسورة (بكسر الرَاء) للشاب خالد وهي حاضرة في حفل غنائي الذي افتتحته باسم الحكومة؟ ونقل في نشرة الثامنة وقبلها ظهر الشاب مامي كناطق باسم الحكومة الجزائرية في العاصمة باريس ليعلن عن صحة الرئيس بعد سكوت من طرفها لمدة فاقت 5 أشهر حسب ما نشرته الصحف الوطنية والأجنبية. 


نم قرير العين
نم قرير العين أيها الزعيم فرغم مرور هذا الزمن على قتلك الغادر كما قُتل الملك فيصل رحمه الله فكل الأجيال مازلت تحبك وتبكيك رغم أنها لم تعاصرك وسنبقى نذكر إنجازاتك ومواقفك وخاصة الخارجية ما حيينا وعن صرامتك في محاربة الفساد حقيقة أنه لا يتسع المجال لذكر مناقبك فنحن نحتاج إلى كتب لتدوينها.
وفي الأخير هناك عبرة أذكرها إلى الأجيال حيث كنت عضوا في الاتحاد الوطني للشبيبة الجزائرية وأقمنا الملتقى الوطني للرئيس هواري بومدين في مقر الناحية العسكرية الأولى وكلفتني الأمانة الوطنية آنذاك بترؤس الجلسة الافتتاحية وكانت القاعة تضم أكثر من 1500 مشارك من الولايات ومن بعض الدول الشقيقة والصديقة وأذكر أنه قبل الافتتاح كان هناك شريطا وثائقيا يبث عن مسيرة الزعيم وخُيَم على القاعة الصمت وكان أغلب الحاضرين يبكون رغم أن الأغلبية كانوا من الشباب ولم يعرفوا بومدين ولا ينتمون إلى عهده وعندما افتتحت الجلسة وأنهيت كلمتي فاجأني أحد المتدخلين وهو شاب يافع متمكن من اللغة العربية وقال لي: السيد رئيس الجلسة أشكركم على كلمتكم وأطلب منكم أن تجيبوني على سؤال يحيَرني ومحل اهتمام الكثير من الحاضرين فقلت له: تفضل يا أخي فقال لي: نحن لسنا من جيل هذا الزعيم ولم نعرفه بل نسمع عنه فقط ولكن عندما يذكر اسمه ونشاهد انجازاته لا نتمالك أنفسنا وينتابنا شعور غريب وتدمع عيوننا حسرة على هذا الرجل ما السرَ في ذلك فأجبته حسب علمي المتواضع: لأنه كان صادقا ونزيها ومخلصا للوطن وزعيما بمعنى الكلمة . 
وفي نفس السياق علينا أن نسجل للرئيس عبدالمجيد تبون شفاه الله وأعاده إلى أرض الوطن سالما أنه الرئيس الوحيد من الذين جاؤوا بعد الزعيم بومدين أنه لم يكن له أي عقدة من اذكر مناقب الراحل وأثنى عليه في العديد من التدخلات ولقبه بالزعيم وهاهو يمشي على خطاه في الكثير من القطاعات. 
فرحمة الله عليك يا بومدين الزعيم ويكفي عائلتك وكل من يحبك فخرا أنك عشت مخلصا ونزيها ووطنيا وغادرت في صمت ووقار كما يغادر العظماء.