وقفة عند مآثر الراحل مرزاق بقطاش قدوة للمثقفين الجزائريين

  • PDF

وقفة عند مآثر الراحل مرزاق بقطاش 
قدوة للمثقفين الجزائريين

جمال نصر الله
أعظم الأشياء في الإبداع أن يبدع أصحابه بعيدين كثيرا عن اللهث وراء الكاميرات.. وأن يحافظوا على إنسانيتهم قدر المستطاع بعيدا عن أهوائهم التي تصطدم في الأخير بجدار الواقعية؟!
وأية واقعية إن لم تكن (الصندوق الأسود لأخلاقهم) وقديما قال البحتري: ما فائدة الكلمات المكتوبة إن لم يكن يُستشم منها مِسك الأخلاق...والقصد هو أن يُتوج الإنسان بحسن معاملاته اليومية(والأدبية) مع الغير.ومراجعة الذات قبل كل خطوة يخطوها تعد هي الرأسمال الحقيقي والوزن الصاف لحقائق الأرباح.وأن ما عداها لا يعدو سوى سنابل فارغات رؤوسهن شوامخ كما يقول المتنبي....وإلا ما الذي نستشفه من أدباء(يقولون عن أنفسهم كذلك) لكن همهم الوحيد هو كيف لهم أن يعتلوا هذا المنبر ويترصدوا هذه المسابقة إلا وكان لهم موضع قدم بها...وآخرون يتملقون لأجل الحوارات العديدة..وصنف آخر تراه يُكثر من طبع الأعمال تلوى الأخرى.وكأن بالنشر الغزير هو الذي يصنع العبقريات والنجوم؟! ـ مثلما يحدث في عالميّ الغناء والطرب ـ..ناسين ومتناسين أن ذواتهم الكتابية لازالت في أول الطريق. وبحاجة إلى رسكلة بملايين الطرائق والقوالب والتحولات وصقل مديد لا يقاس بالشهور والسنين...شريطة أن تتوفر الموهبة في بادئ الأمر..ـ هذا إن وجدت الموهبة وحضرت وإلا كان كل شيء تحت إمرة التجريب وثمة التجريب..الواقعية المقصودة هي التعامل مع الأحداث اليومية دون طوباوية أو مثالية ونرجسية..بل بإحكام وذكاء..
وفي اللحظة التي تحين فيها ساعة الإبداع أكيد أن الأمور تختلف إن خلا المرء بنفسه وانفرد بها...وما العيب أن يكون جزء كبير من هذا الواقع حاضرا في بطون الأعمال.والتعامل معه بفنيات عالية (لكن السؤال من يملك يا ترى هذه الرؤى والحفريات الفنية)..وقد قال جبران خليل في هذا الشأن ذات تاريخ (اعطني عينا ترى الجمال وخذ خزائني)
رحل عنا إذا الأديب الملتزم مرزاق بقطاش في الثاني من جانفي للسنة الجديدة. فهللت من وراء ذلك عشرات الأقلام.وكلها انبهارا وتوقانا لما تركته هذا الأديب من سمعة طيبة لدى غالبية الأوساط...كيف لا وهو الإنسان المثقف صاحب السلوكات الحضارية الجنتلمانية قبل أن يكون القاص والأديب...مكث الجميع ضمن لحظة ذهول يتسائلون عن أن سمعة الأشخاص الحسنة هي التي تتحدث عنهم قبل مضامين أعمالهم.وأن الصدق عامل مهم ومحوري في الكتابة شريطة أن يبعد المبدع من ذهنه فكرة تقليد الغير لهدف الوصول نحو ما وصلوا إليه. ونقصد هنا..تلك الفئة التي تحتقر نفسها..وترى في كل ما يدور خلف البحار أنموذجا ناجحا...متناسين بأن نجاح أولئك قد تم في انغماسهم الكلي في واقعهم المحلي وتقربهم منه أكثر حتى وهو قذر ومقزز..وأن العالمية تنطلق من المحلية كما يقال. فقط وجب نزع هذه العقدة من أذهانهم والمتضمنة أي التقليد الأعمى إبداعا وسلوكا وخلق شخصيات مثلا في الروايات يستحيل أن تعثر عليها في الواقع وبتسميات نشاز ونكرة...وهناك ظاهرة أخرى يتسم بها الإبداع الجزائري الراهن وهي عنونة كثير من الأعمال بأسماء وشخصيات لا يمكن العثور عليها على أرض الواقع..بل هي خيال وتقليد لكثير من الشخصيات الأوروبية واليونانية... والحضارات القديمة. ومن ثمة استحضارها لوقائع معاصرة.وهي حسبي ظاهرة سيئة.تنفر القارئ أكثر مما تحببه؟!..لا لشيء سوى أن لكل قامة تاريخية وشخصية تربتها وأرضها الحقيقية التي نبتت فيها؟! 
لقد كان الراحل مرزاق بقطاش أديبا محليا ينهل من اليوميات الجارية للطبقات الكادحة..والتي دوما تختصر لك الواقع برمته...حتى وهو يتردد على ثنائيات البحر والمكانيات الشيقة لهذا العالم الفسيح.وكان يكتب بتأني واضح ويستحيل أن تصف إحدى أعماله بالاستعجالية....بل هو وليد التراكمات البعيدة والرؤى الثاقبة...والمستشرفة للعوالم الفلسفية....التي يحوزها الروائي والقاص المتمرس...وكم يحزنني شخصيا أن أرى كاتبا جزائريا لم يصل عتبة الرشد يقبل على كتابة رواية.بحيث أراه نوع من التعدي على هذا العالم الصعب والمعقد؟! الذي يحتاج إلى تجربة حياتية وانكسارات وانتصارات في الحياة بكل جدلياتها وثنائياتها؟!..وأن الانخراط في الكتابة الروائية مباشرة هو نوع من المجازفة غير المحمودة العواقب.(لأن أكبر الروائيين الذين نجحوا بأعمالهم تصارعوا قبل ذلك كثيرا مع عوالم القصة القصيرة والمقالة الثقافية والفكرية) وأن الرواية هي نتاج عدة مراحل وعقبات.
رحل مرزاق وهو يترك لنا درسا مفيدا مفاده أن العظمة في التريث ومراجعة العمل جيدا وعدم الرضا عنه من أول وهلة هو نوع من التبصر والوعي بالمسؤولية إزاء كل حرف مكتوب لأنه يحسب عليه قبل أن يُحسب له...وأن الكتابة مسؤولية شاقة تقع تبعاتها على مسار ومستقبل الكاتب نفسه دون تسرع وتهافت على الظهور السطحي والتبجح الخاوي..
لقد ترك لنا صاحب دم الغزال وجراد البحر وطيور الظهيرة منهجا حضاريا للذكر الحسن وكيفية أخلقة الحياة الأدبية.وأن الكاتب أولا وأخيرا هو إنسان أكثر إنسانية من الآخرين وقدوة يمكن للجميع أن يستشهد به ويتبع سلوكه في زهده المعرفي وطلبه اللامحدود نحو شحذ هممه العلمية والفكرية.
وأن الإبداع الحقيقي لا يمكنه أن يوصف بمكان جغرافي ما أي بالأمكنة وإنما بتبصر وتدبر المبدع نفسه.