العالم يشد أنفاسه من مفاجئات ترامب في الوقت بدل الضائع

  • PDF


بقلم: الطيب بن ابراهيم
بعد إجراء الانتخابات الأمريكية سنة 2016 وفوز المرشح الجمهوري دونالد ترامب على نظيرته الديمقراطية هيلاي كلنتون كتبت في هذه الصفحة من هذه الجريدة أخبار اليوم مقالا بتاريخ 17 نوفمبر سنة 2016 تحت عنوان الانتخابات الأمريكية واختيار شرُّ الشّرَّين وصدق عمر بن الخطاب رضي الله عنه القائل: ليس العاقل من يفرق بين الخير والشر ولكن العاقل من يفرق بين شرِّ الشرين وبعد مرور أربع سنوات من حكم شرُّ الشّرَّين وانتهاء عهدته الرئاسية تجلت سياسته وإنجازاته المحلية والإقليمية والدولية وسيشهد التاريخ أن ترامب كان أسوأ وأقبح رؤساء أمريكا على الاقل بعد الحرب العالمية الثانية على الشرق الأوسط والمنطقة العربية باستثناء إسرائيل.
تميز ترامب اليميني المتطرف والمتهور والمستهتر بكل المبادئ والقيم منذ حملته الانتخابية بتصريحاته العنصرية المقيتة ضد الأفارقة والمسلمين بل ضد جيرانه المكسيكيين الذين بنى بينه وبينهم جدارا عازلا ومنذ تسلمه للسلطة اتخذ عدة قرارات خطيرة تقوض فرص الاستقرار وتهدد الأمن والسلم العالميين لم يجرؤ غيره على اتخاذها منها اعترافه بالقدس عاصمة لدولة اسرائيل و الاعتراف بسيادتها على مستوطنات الأراضي الفلسطينية وتوسيع الاستيطان وانقلابه على تسويات واتفاقيات سلفه اوباما كحل الأزمة الكوبية التي عمّرت سبعة عقود فنقضها في جوان سنة 2017 وانسحب من اتفاقية المناخ وهي الاتفاقية التي وقّعت عليها (200) دولة في باريس في ديسمبر سنة 2015 وانقلابه على قانون اوباما كير للتأمين الصحي لعشرات الأمريكيين الفقراء وإلغاء الاتفاق مع ايران حول برنامجها النووي في ماي 2018 . لقد استغرق حلّ بعض هذه النزاعات وتسويتها عدة سنوات من المفاوضات المعقدة وشاركت في إنجازها عشرات الدول والمنظمات. وقد تحدثتُ على تلك الردة في مقال بجريدة البلاد بتاريخ 10 ماي 2018 تحت بعنوان أمريكا : الفيل الجمهوري يسير على نقيض خطى شريكه الحمار الديمقراطي . 
ما ميّز عهدة ترامب أن المستفيد الأول فيها كانت اسرائيل اكثر حتى من امريكا رغم أن شعار ترامب كان أمريكا أولا فإسرائيل انجزت في وقت قياسي مالم يكن في الحسبان وما لم يتوقعه اكثر الناس تفاؤلا حيث فتحت الدول العربية أمامها أجواءها ومطاراتها وموانئها وبنوكها وأسواقها واستثماراتها وملاهيها وما خفي أعظم؟. بل حتى الاتفاق مع ايران الذي أيدته الامم المتحدة وكل دول العالم باستثناء إسرائيل تم إلغاؤه من طرف ترامب إرضاء لإسرائيل ولمن دفعوا رُشى بالمليارات! أما الخاسر الأكبر في هذه العلاقة هي الدول العربية التي تنازلت وقدمت كل شيء دون مقابل عكس الزعيم الكوري الشمالي الذي أخذ من ترامب تقرُّبه إليه دون مقابل.
 وفي عز الحملة الانتخابية لشهر نوفمبر 2020 أخرج ترامب مفاجآته للعلن وأعلن عن بداية التطبيع المعلن بين إسرائيل وبعض الدول العربية دعما للأمن والسلم في المنطقة من طرف تلك الدول التي أنهكتها الحروب مع إسرائيل؟؟!!! فأعلن ترامب الوصي على القطيع يوم الخميس 13 أوت 2020 تطبيع الإمارات مع إسرائيل واعلن يوم الجمعة 11 سبتمبر 2020 عن تطبيع البحرين مع إسرائيل واعلن يوم 23 أكتوبر 2020 عن تطبيع السودان مع إسرائيل .
مما تميز به ترامب صراحته عن نظرائه حيث كان جريئا وصريحا فيما يقول في العلن عكس غيره فالرجل أُعجب بقطيع البقر العربي الحلوب غير المستغل والذي يسر الناظرين ويسيل لعاب المبتزين فاعلن ان البقر يجب ان يُساق إلى حظيرة إسرائيل وعلى أمريكا أن تستفيد من الحليب انه منطق ارض رعاة البقر قالها صراحة امام الملأ قال علنا وليس في الكواليس ان هناك دول عربية غنية جدا ولولا حماية أمريكا لها لسقطت أنظمتها خلال أيام معدودات فنحن أحق بمالها الذي تعبث به في قصورها الداخلية والخارجية فعليها ان تدفع والا ...؟؟ فدُفِعت لترامب مئات المليارات على بياض وانساق القطيع لحظيرة إسرائيل ودفعت أموالٌ لتشجيع المترددين في الالتحاق بالتطبيع ويبدو أن ترامب كان يؤمن بمنطق المتنبي مع كافورالإخشيدي حاكم مصر قديما عندما قال لا تملك العبد الا والعصا معه والعبيد أنواع ولو أمراء وصدق الشاعر عندما قال:
ليس كل مَن لبِسَ الحَريِرَأميرُ وَلَيس كُل مَن نَام بُدونِ سَريِر فَقيِرُ
فَكم مِن جسّد تَحت الحَريِر حَقيِرُ !!وَكَم مَنْ فَقيِر بـدون سَريِر أميرُ
هكذا أكمل شرُّ الشّرين دونالد ترامب عهدته الرئاسية الأولى وخسر انتخابات شهر نوفمبر 2020  لعهدة ثانية وكان على حكومته ان تسيِّر الاعمال قبل أيام من مغادرة البيت الابيض وتسليمه للفائز الجديد في الانتخابات ولكن ترامب المصارع العنيد والمحب للإثارة والاستعراض رفض الاعتراف بالهزيمة وفي الوقت بدل الضائع قام باتخاذ مواقف وقرارات جريئة مفاجئة ومثيرة أكثر من سابقاتها داخليا وخارجيا في حق الامريكيين وفي حق غيرهم غير مبال باي نتائج أو ردود فعل كانت.
مواقف وقرارات ترامب في الوقت بدل الضائع بعد خسارته الانتخابات بدأت برفضه الاعتراف بفوز منافسه مرشح الحزب الديمقراطي جون بايدن واتهم وسائل الإعلام الأمريكية والإدارة والقضاء بالتواطؤ ضده. ورفع ما يقرب من مائة شكوى للقضاء ضد التزوير رُفضت جميعها ولا زال مُصرا على عدم الاعتراف إلى لحظة خط هذه الأسطر وواصل إصدار قراراته ومواقفه المفاجئة في الوقت بدل الضائع فاعلن عن تطبيع المملكة المغربية مع إسرائيل يوم 10 ديسمبر 2020 وفي نفس التاريخ اعتراف أمريكا بمغربية الصحراء الغربية!! وقبل عشرين يوما من مغادرته البيت الأبيض وبتاريخ23 ديسمبر 2020  بدا في إصدار العفو على العشرات من القتلة والمجرمين الجنائيين المحكوم على بعضهم من طرف القضاء الأمريكي بالمؤبد ممن لهم به صلات وعلاقات خاصة به مثل تشارلز كوشنر والد صهره ومحاولاته استصدار قرار حصانة قضائية لمُمَ نْشر الصحفي السعودي جمال خاشقجي وإقالة وزير الدفاع مارك إسبر وإقالة وزير العدل وليام بار بعد رفضه لوجود أي تزوير للانتخابات. 
وعندما تخلى على مجنون البيت الأبيض المقربون منه من حزبه ورؤساء الولايات ونائبه مايك بانس الذين كان يعوِّل عليهم لعرقلة إعلان تنصيب المجمع الانتخابي والكونغرس بصفة رسمية ونهائية للرئيس الفايز دفع بأنصاره ومن هم على شاكلته في الشارع لاقتحام مبنى الكونغرس لعرقلة التنصيب فعاثوا في المبنى فسادا وسقط قتلى وكأننا في دولة إفريقية يرفض زعيمها الاعتراف بنتيجة الانتخابات وتبقى الأنفاس مشدودة خوفا من أي قرار يصدره مجنون البيت الأبيض ولو في الدقائق الأخيرة قبل رحيله!. 
وإذا كان أوباما قبل مغادرته البيت الأبيض سنة 2016 وطّد طريق السلام لِحَلِّه لأعقد أزمتين مع أمريكا هما كوبا وايران خاصة بعد زيارتها تاريخية لجارته كوبا وهيا لأزمة التي كادت أن تؤدي لحرب نووية في ستينيات القرن الماضي بين المعسكرين إثر أزمة خليج الخنازير ها هو خليفته شرُّ الشرين قبل مغادرته البيت الأبيض يزرع الساحة السياسية الأمريكية والعالمية ألغاما يورثها لمن يعنيهم الأمر!!.