الكتاب المعرفي المشوّه

  • PDF

الكتاب المعرفي المشوّه
بقلم: المفكر التنموي إبراهيم تاج

1 لكل واحد فينا كتاب.. بل كتابه الخاص به.. هو أقرب من الأجندة اليومية التي يدون عليها ملاحظاته وسيرته الذاتية.. هو كتاب لا نكتبه على ورق يبلى.. بل على جهازك العصبي.. إنها الكتابة على الخلايا العصبية.. كتاب تخطه اللغة سواء كانت تواصلا خارجيا أو داخليا.. مما تدركه الحواس وترشحه المرشحات.. كتاب وجد معك وولد معك ويعيش معك ويموت معنا.

هو أنت برسم آخر.. يتشكل من معلومات حفظتها الذاكرة وأعادت القناعات والمعتقدات ملامحها بريشة التفسيرات والتقييمات.. ولكونها ليست ذاكرة ميتة فبعضها يتجدد وبعضها يتبدد.. بحسب اهتماماتنا بحسب أولوياتنا.. بحسب ما ارتبط ببعضها من مشاعر خوف أو انفعالات إيجابية.. بحسب خبراتنا السابقة. 
فتفضيلاتنا تنتقي وترشيحاتنا تعدل.. وتجريداتنا تعمم.. 

الانتقاء والتعديل والتعميم.. عمليات ثلاث تتحكم في كل حياتنا الفكرية.. عمليات من خلالها نحكم على العالم.. فنظلمه أو يظلمنا من خلال أنفسنا.. عمليات من خلالها نقع في الخطأ أو في الخطيئة.. عمليات قد تحفظ توازننا الداخلي وقد تلقي بنا في أوهام المرض.. عمليات توسم نواصينا بعدها بالصدق أو بالكذب وتسم سيرنا بالصلاح أو بالفشل.. عمليات تشكل الأساس في الاستقلاب الخفي.. لتحقيق الاستتباب الجلي.
كل أخطاء التفكير التي ذكرناها من قبل هي وليدة هذه العمليات.. حين تستعمل بالافراط أو بالتفريط.. الغلو والاسراف يولدان المرض الحضاري.. لأنها تخرجه من دائرة الوعي إلى دائرة الوهم والهوى.. الوهم والهوى وجهان لعملة واحدة..
كتابنا هو مجموع من الخرائط من الرموز.. صفحاته من نوع خاص إذ تسمح لكائنات الكتاب بالاتحاد والتوالد.. تبث علاقاتها ببعضها البعض في شكل شبكي فضائية أشبه بتفرع الخلايا العصبية وتشابكها.. ويبقى جهازنا العصبي هو الحاضن والداعم المادي.. كما هو الحال للأقراص الصلبة للحواسيب.. فنحن نرى العالم ونعيش تجاربنا الحياتية ونخزن خبراتنا وفق قوانين الجهاز العصبي.. ولذلك فاللغة والفكر كثنائية مهمة لا بد أن تتخذ شكل الوعاء وشبكية البناء.
فنحن هنا لا نحتاج للانتقال من الفكر كوعاء إلى المعرفة كبناء كما يدعو إليه كارل بوبر.. فجهازنا العصبي هو الوعاء وهو البناء.. ضمن نظام شبكي يتسم بالتعقيد بنية وبالعلائقية وظيفة.. لتحصيل الحصيلة وتأصيل الوسيلة.. وتمكين النتيجة وتمتين الوشيجة.. أنهما العقل والجسم يتزامنان في نفس النطام السيبرنيطيقي.. لممارسة الوجود العاقل الناطق المبدع.. العاقل لغة والمبدع لغة. 
قد نقرأ كتبا كثيرة وقصص وروايات وسيرا.. فنفهمنا ونتأثر بما حوته من فكر وعبر ودروس.. ويبقى ذلك أسهل وأيسر من قراءة أنفسنا.. لأن كتابنا الداخلي يأبى أن يقرأ ونحن خارج ذواتنا.. صحيفة صعبة التصفح.. عصية التفحص.. إشكالية أن تكون القارئ والمقروء في آن واحد.. مشكلة أن ترى نفسك في المرآة وأن تكون داخل الذات في آن واحد.
و أن تعرف نفسك فهذا أمر ضروري ولا بد منه في أي محاولة لمعرفة الآخر أو أي مغامرة لفهم البيئة المحيطة.. وأن تدرك ذاتك.. ولن يتحقق الوعي إلا بإدراك الذات.. وتلك أول الهداية لممارسة فعل الحياة.. ومن هنا يتشكل الذكاء الجمعي دعامة...

2 إنها فيروسات التفكير كما سماها روبرت ديلتس...
لأنها حقا فيروسات: أولا: لأنها ممرضة (خطأ في التفكير يؤدي إلى اضطراب نفسي).. والثانية: لأنها تنتشر في العضوية النفسية إنتشارا خبيثا وذلك لأنها تتوالد مع باقي الأفكار لتعطي استنتاجات مغلوطة قد تلقي بصاحبها إلى عقد فكرية محكمة الإغلاق.. والثالثة: لأنها معدية تنتقل من الواحد إلى الأخر عن طريق الإقناع وتناقل الأخبار والمعلومات والأفكار والتفسيرات - ودائما أسأل لماذا ما هو سلبي من الأفكار والشائعات أكثر انتشارا مما هو إيجابي؟!! 
إنها أخطاء في تمثيل ما يرد علينا.. إنها تشويهات مفرطة لتفسير ما يحده لنا.. مما ينجم عنه بناء فوضوي للمعرفة لدينا.. مما ينشأ عنه خرائط معرفية بعيدة كل البعد عن الواقع.. إن لم نقل معارضة ومعاكسة له.. ولهذا انعكاسات خطيرة في العلاقة مع الذات مع الأخر مع البيئة بأكملها.. إنه الصراع الذي يصنع الإنسان الكاره لذاته ولأخيه.. المؤذي للناس وللحياة.. يصنع الإنسان الذي يصارع من أجل الصراع.. من أجل الغلو لا من أجل التوازن والوعي.
ومن هذه الفيروسات.. المسماة بأخطاء التفكير: حالات الفكر حيث يلبس الشخص عباءة القاضي ويبدأ يحكم على الأفراد والعلاقات بالصح والخطأ.. ووضع ملصقات دائمة توسم الأفراد بما يظنه حكما ثابتا.. كما نراه في خطأ الأحكام المسبقة.. وهذه حالة قصوى من التعميم المفرط ومثال ذلك : الذين يكفّرون كل الناس.
ومن حالات الفكر المشوه الذين يحكمون وفق مبدأ الثالث المرفوع.. أو الذين يستعملون قانون الكل أو اللاشيء.. أو خطأ التفكير الثنائي الذي يولد التعصب في الفكر والاستقطاب في الحوار.. فالحلول عندهم دائما إما بيضاء أو سوداء لا يقبلون الألوان الرمادية أو الحلول الوسط.. منكرين قول من قال: خير الأمور أوسطها .. لأنها لغة التطرف. 
ومن الفيروسات الفكرية أيضا التعميمات المفرطة كثيرة الأشكال تشترك في خطأ التعميم وهذا يجعل من مرتكبيه من يظن أن المعركة الواحدة هي الحرب كلها.. 
و هناك خطأ يقع فيه الأذكياء أو المعاندين ظنا منهم أنهم يستطيعون قراءة أفكار الآخر قراءة يقينية مما قد يسيئون الظن بهم.. ويعتقدون أن مواهب الفراسة والتقصي والربط إنما هي حقائق يقينية لا يعتريها الشك.. فيميلون إلى الحكم بمجرد الظن.. ويمارسون التنبؤ بكثرة وللأسف تنبؤات كاذبة خاطئة.
ومن تشوه المعرفة أيضا القراءة السلبية بالزيادة أو النقصان فقد تكون تهويلا كمن يصنع من الحبة قبة كما يقال.. أو تهوينا وهو سلوك المحبين عادة والغافلين عامة.. ولكن استعمالهما قد يهلك فكرا ودينا وحكما.. كتفسيق من يرتكب الصغائر والتكفير بسبب بعض التعبيرات المجازية التي وقع فيها بعض الصوفية.
و من ضلالات الفكر الحكم على الكل من خلال جزء.. فالجزء على حدا لا يعطينا صور حقيقية عن الكل فالبيت ليس هو الحي.. والحي ليس هو المدينة.. كالحكم على شخص بمجرد لقائه مرة أو مرتين.. ربما كان في غير يومه كما يقال.
ومن الأغاليط الحكم العاطفي: كثير من المعتقدات والقناعات ما هي في الحقيقة غير تحقيق للرغبات..و الفرق بين الذكاء العاطفي والحكم العاطفي يتضح في قصة غاليلى.. فقد استعمل الذكاء العاطفي للتخلص من حكم عاطفي أصدرته الكنيسة.
ومن ضلالات الفكر الدافعية وفرط الطلب : هناك فرق شاسع بين الواجب فعله والفعل المرغوب فيه.. فالواجب قد يؤدي إلى عقد الذنب.. فمن يرغم نفسه فوق طاقتها لا يجني غير الضغوط.. ومثال ذلك : النذور.
ومن عبث الفكر الذاتية المفرطة : وذلك لمن يعتبر نفسه مسؤولا عن أخطاء أو أوزار أو مواقف ليست من فعله.. أو يكلف نفسه تقصير المخطئين.. إنه خطأ الباحثين عن الإمتياز أو الكمال البشري.
الكثير مما ذكرناه سابقا ضمن أخطاء التفكير هو ضروري في صبغته المعتدلة لنمونا المعرفي وتماسكنا الذهني.. ولكن إن استعملت بشكل مبالغ كانت سببا في صناعة الذهن المجرم.. والدراسات في هذا الموضوع كثيرة.. ومن جهة ارتباطي بموضوع أخطاء التفكير.. إذ أن أول بحث أكاديمي قدمته كباحث كان حول موضوع التشوهات المعرفية لدى نزلاء المؤسسات العقابية.. وحينها اقترحت أن تعمم البرامج الإرشادية المصححة للفكر كأقوى أدوات مكافحة للإجرام.. وفعلا فالإجرام صناعة فكرية مدمرة للحضارة.. وهو العقل المجرم الذي هو مصنع كل أنواع الخطايا.. فعلا هو قنبلة موقوتة في أي لحظة ممكن أن تمارس العداء للذات وللمجتمع.. الذي كان خفيا بالأمس يتستر تحت تشوه معرفي.
فعلا المعتقدات غير العقلانية هي سبب كل ما تعانيه البشرية من مستوى الفرد إلى مستوى الكوكب.. وأي محاولة ملتزمة بالحل.. وجب أن تنطلق من على مستوى هذه المعتقدات.. لأنه يمكن اعتبار الذهن المجرم أعدى أعداء الحضارة.. بسب كمونه التدميري وسرعة انتشاره في هشيم ضعف البناء المعرفي للجماهير.. إنهما خاصيتي العداء والعدوى.. وكل الحروب والإبادات والجرائم ضد الانسانية ومظاهر الارهاب والفتن العرقية كان كلها بسبب فيروس من فيروسات التفكير في ذهن أحدهم.. من قصة قابيل وهابيل إلى الحروب العالمية إلى موجات جائحة كورونا.