أنماط تربوية من ثقافات عالمية تجعل فلذات أكبادنا في مهب العاصفة

  • PDF

مراصد
إعداد: جمال بوزيان

أخبار اليوم ترصد آراء أساتذة حول تمرد الأولاد
أنماط تربوية من ثقافات عالمية تجعل فلذات أكبادنا في مهب العاصفة

نتيجة ثوران عاطفي أو فهم آخر للحياة أو التأثر بنمط معين يظهر في كثير من الأسر تمرد بعض الأولاد بعدة أشكال واختيار سلوكات جديدة وفق ميول ورغبات جامحة لا سيما في مرحلة المراهقة فيزداد قلقهم وعنادهم وحيرتهم في قضايا غير منتهية سواء مع أفراد أسرهم أو خارجها.. ومما يلاحظ أن عصيان تعليمات الوالدين أو الأولياء خاصة يدفع دائما نحو الانهيار الأخلاقي والضياع المحموم بأخطار تضر الفرد والمجتمع في آن.
سألنا أساتذة عن أسباب الظاهرة وظهور التمرد في بعض الأولاد دون بقية الإخوة وتأثيرها على التحصيل العلمي لهم وطلبنا علاجها تربويا وبطرق هادئة وإيجابية.

***** 
ممارسة الوصاية الأبوية بكيفية عنيفة يجعل الأبناء كالبركان الخامد

أ‌. عبد الحفيظ بوزكري

الحقيقة إن سؤالكم يتضمن جزءا كبيرا من الجواب المطروح.. فما هو عليه أبناؤنا اليوم بمختلف الأعمار والفئات والأجناس يشتركون في جزء كبير من مظاهر السلوكات المستهحنة اجتماعيا وأخلاقيا على السواء وكأنهم تناولوا الخلطة الثقافية السحرية المسمومة نفسها التي طُعمت بأفكار وبُثَّت من خلالها رسائل وبٌنيت قيَّما فصنعت منهم جيلا يُنعت بالمروق والعصيان والتمرد على كل التقاليد الأخلاقية المتوارثة والجنوح نحو العنف والعصيان.. وعدم التقيد والانقيادبالضوابط والقيم الأخلاقية والاجتماعية التي تحكم مجتمعاتنا العربيةوالإسلامية تحديدا..فلم نعد نرى غرسنا الذي غرسناه يثمر..فهل لمثل هذاما يبرره اليوم ثقافيا وإعلاميا وتربويا؟ وماسر تعنت الأبناء؟ وهل هو مروق فعلا وتمرد كما أسميتموه؟ أم هي حياة أخلاقية أنتجتها ثقافة هذا العصر؟ ونتيجة حتمية لنمط التربية الانسيابية المفتوحة اليوم على كل الثقافات العالمية دون ضابط أو إطار حيث أصبح أبناؤنا في مهب العاصفةوفي مواجهة يومية لكل أشكال الاختراقات دون حصانة أو مناعة ذاتية لدرجة أننا أصبحنا اليوم نشهد منهم مالا نعرفه أو نتوقعه أو تربينا عليه غرباء عن أبنائنا نجهل تفاصيل ما يتلقونه كرها أو طوعا رغم ما تبذله الدولة في سياستها التربوية والاجتماعية والإعلامية في هذا الجانب من توطين لهذا الجيلأم أن الأمر سببه عدم توازن القوى واختلاف الثقافات وحالة الذوبان في الثقافة الغربية المتحررة من كل أشكال القيم والتمرد في مفهومه العميق والخروج عن عصا طاعة الوالدين والسلطة الأبوية.
فإذا نظرنا إليها كمرحلة عمرية خصوصاكمرحلة المراهقة فهذا أمر طبيعي جدا أو كما يطلق عليها (وليام جيمس)على الفترة ما بين 14 سنة و21 سنة بالمرحلة الاجتماعية وهي مرحلة النمذجة والمحاكاة التي يتم فيها اختيار النموذج للمراهق بعد أن مرَّ على مرحلة الإكراه والإجبار والتلقي أي المرحلة البصرية من الميلاد إلى سبع سنوات..
وفي هذت الصدد يقول الخبير الكويتي أ. د. جاسم المطوع: .. إن 80بالمئة من مشكلاتالأبناء سببه الأولياء عصبية وقلق الأولياء تنتج بالضرورة أبناء عصبين وأولياء عنيفون ينتح أبناء عنيفين.. .
هذه مسألةدقيقةجدا قد نجعلها شماعة لنبرر أخطاءنا كأولياء لكن الحقيقة غير ذلك تماما..وهناك مسألة أخرى لا تقل أهمية هي كذلك وهي تغير السياسات والأنظمة والتحولات الجذرية في جميع المجالات التي لها الأثر الفعَّال في تغير وتنوع المشكلات الأسرية عموما..فكان الأجدر لنا أنه مثلما نجتهد في تغيير السياسات والأنظمة والبرامج يجب أن نبحث أيضا في المتغيرات التربوية والسياسة التربوية عموما.
فالأساليب التقليدية للتربية لم تعد كافية وتستجيب للمتغيرات المعقدة حاليا فهي كل متكامل.
والسبب الثاني هو معرفة مجال تحرك أبنائنا ماذا يشاهدون من الصباح إلى المساء هذه المشاهدة تٌترجم إلى سلوك قد يكون عنفا والمسألة الثالثة هي حالة الكبت التي يمارسُها الأباء تجاه أبنائهم ومنعهم عن التعبير عن مشاعرهم وتبرير أخطائهم وبعض سلوكاتهم..فالكبت كقولنالهم: (اسكت...أنت صغير لا تعرف شيئا..) وممارسة الوصاية الأبوية عليهم بكيفية عنيفة يجعلهم كالبركان الخامد..كلما زاد الكبت تراكمت الضغوطات وتفجرت في سلوكات عنيفة بعد أن يتحرر الطفل من سلطة أبويه.
فإزالة الأسباب بمثابة الحلول.
وهنا يجب أن نميز بين مراحل الطفولة المختلفة من الميلاد إلى السنة الثانية عشرة ومرحلة المراهقة التي تبدأمن السنة الثانية عشرة إلى 21سنة تقريبا فلكل مرحلة خصوصيتها ومشكلاتها.
أما لمراحل الطفولة فنجمل حلولها كما في النقاط الآتية:
1- يجب خلق فضاء في زوايا البيت للأطفال بألعاب مختلفة لتفريغ شحناتهم والتمتع بالخيال.
2- تخصيص ألعاب حركية وعدم التركيز على الألعاب التي لا يستخدم فيها الطفل الحركة
3- إيجاد بدائل للعنف..فالطفل الذي اعتاد أن يعض أخته مثلا لإفراغ شحنته يمكن أن يعض تفاحة بدلا عنها والذي اعتاد على ضرب إخوته يمكن ان نجعله يضرب دُبًّا اصطناعيا وهكذا.
4- ملء الفراغ ضروري جدا.
5- أيضا من أسباب تشكل العنف عند الطفل عندما يحظى بتعزيز ومباركة لبعض السلوكات من طرفوالديه.. مثال(طفل يعنف يضرب يكسر يطلق كلمات بذيئة..) فيقابل بالرضى لدى الأسرة يصبح عاملا وحافزا للاستمرار في ممارسة هذا السلوك.
6- تنمية هوايات لدى الطفل وتطويرها لينشغل بها عن التفكيرفي العنف فالطفل سريع الغضب سريع الرضا..وهذا موضوع متشعب يجب أن يتحول الأولياء من دور الآمر الناهي إلى دور الصديق المرافق.. في مرحلة المراهقة التي تستحق وقفة مركزة لايتسع المقام للخوض فيها 
إجمالا نقول: من جهل شيئا عداه فكلما ابتعدنا مسافة عن أبنائنا كلما اتسعت الهوة بيننا وبينهم..وكلما استطاعوا أن ينغمسوا في عوالمهم الغريبة تقطع حبل الوصال بينناويخرجون عن دائرة سلطتنا.


***** 
بناء جسور الحب مع الأولاد من أنجع الأساليب التربوية 


أ‌. صافي محمد مظهر أحمد


بادئ ذي بدء نستطيع أن نقول:إن الخطيئة خطيئة للذكر والأنثى في أي عمر كانا وإن الخلل والخروج عن السلوكات الصحيحة بمقاييس التربية غير مقبولة من الجنسين.
ولكن لو راجعنا الألفاظ التي وردت في الطرح ككلمات(عصيان تعليمات) نجدها لا تنم عن تعامل أسري تربوي سليم فالأسرة ليست ثكنة عسكرية يملي فيها الأبوان تعليمات وأوامر على الأولاد ويطلب منهم تنفيذها وأي خروج عنها يعد عصيانا وتمردا وخرقا لما هو صحيح.
نعود للطرح وقبل البحث عن الحلول يجب أن نعرف مَنْ هو المراهق أولا؟ وما الأسباب التي قد تدفع أي إنسان للثورة على واقع يعيشه سواء كان مراهقا أَو راشدا؟ مع أنني لا أتفق أبدا مع مسمى (مراهق) ولا مع توصيف هذا العمر على أنه كائن غريب الأطوار.
المراهقة اصطلاحا هي: المرحلة العمرية التي يتم الانتقال عبرها من الطفولة إلى الرشد ويحدث خلالها تغيرات هرمونية وجسدية بالتالي يترتب عليها تغيرات نفسية وسلوكية اجتماعية لانتقال الإنسان فيها من مرحلة اللعب الطفولي إلى مرحلة الملاحظة والتجريب والاستكشاف بعد أن يعي ويلمس المراهق في ذاته الحاجة والقدرة على ذلك على عكس ما يظنه الأهل تماما من أن الابن في هذه المرحلة ليس لديه القدرة على التمييز وخوض التجارب واستخلاص النتائج واعتماد ما يصلح منها له وما لا يصلح وبسبب مخاوف الأهل هذه يقومون بالحَجْرِ على هذا المراهق ومنعه من خوض التجارب بنفسه ويطالبونه بأن يكتفي بالسير على النهج الذي يرسمونه هم له ويرونه من وجهة نظرهم أنه النهج القويم الذي يجب ألا يحيد عنه يتولَّد عن هذا الحَجْرِ أو المراقبة الشديدة أو التدخل السافر في تجارب الشاب الصغير هذا شعور بالإقصاء والتهميش وعدم الثقة بمقدراته مما يعرضه للضغط الذي ينعكس سلبا على تصرفاته ويجعله متحديا ومغامرا ومندفعا لخوض كل ممنوع إثباتا لذاته ومقدراته وكسرا لقيود الأهل التي لطالما أشعرته بالتبعية والتقليد والتقييد ومن هنا يكون سلوك الأهل في تربيتهم لأولادهم النابع عن تخوف وحرص عليهم ونمط حب مغلوط تحكمه الوصاية الكاملة هو السبب الأول في جنوح الأولاد للضياع في متاهات التجارب غير المدروسة وما يترتب عليها من تبعيات كما أن حرص الأهل في مجتمعاتنا خصيصا على سمعة الأسرة تجعلهم يحمِّلون أولادهم ما لا يطيقون من المثالية والاتزان والانضباط في عمر لا يؤهلهم لذلك وهو العمر المخصص لانفتاح المراهق واطلاعه على كل جديد وغريب لانتقاء ما يُكوِّن منه ملامح شخصيته المستقلة وكيانه الخاص به والذي يجب أن يعي الوالدان تماما أنه يجب ألا يكون نسخة من أحدهما وإلا تكون قد قُتلت فيه روح البحث والتطوير وتشكيل ذات جديدة لها سماتها وخصائصها المختلفة والاختلاف هي سنة الله في خلقه وليس كل مختلف مرفوض وليس كل ما لم تعتد عليه الأسرة مغلوط.
وثانيا: مما ورد في الطرح: .. إن عصيان تعليمات الوالدين أو الأولياء يدفع دائما نحو الانهيار الأخلاقي والضياع المحموم بأخطار تضر الفرد والمجتمع في آن.. .
أرى في هذه الرؤية إجحافا بحق المراهق.. فكم من قالب أراد الآباء أن يقيدوا أولادهم ضمنه وكان قالبا ضارا بالمجتمع والأولاد فليس كل خروج للأولاد عن قوانين الآباء يكون بالاتجاه الأسوإ قد يكون في اتجاه أفضل مما أراده الأهل التصالح مع سُنَّة الكون في التغير والتغيير يجعل الأهل أكثر تقبلا لميول الأولاد إلى نمط حياة مختلف بسبب تغيرات العصر ومتطلباته وليس دائما السبب هو شق عصا الطاعة.
أما إن أردنا التطرق للحلول في حال حقا سلك المراهق طريقا عِوجا يخالف دينه وقيمه فعلينا أولا أن لا نُحمِّل المراهق ذاته مسؤولية هذا الخلل في النهج بل هذا الخلل غالبا ما تعود أسبابه لأساليب التربية الخاطئة وغير المواكبة لمستجدات الزمان والمكان التي يعتمدها الأهل فيؤذون أولادهم من حيث أنهم يظنون أنفسهم مصلحين..إن بناء الشخصية القويمة والعمل على بناء أولادنا كقادة يبدأ منذ أن يفتح الطفل عينيه على هذه الدنيا ويتدرج معه سنة فسنة وأهم ما يجب أن يعمل عليه الآباء هو بناء أولادهم كمؤثرين وليس كمتأثرين مما يجعلهم أقل انجرافا أمام المغريات ورفاق السوء ولا يكون هذا البناء برأيي الشخصي ومن تجربتي إلا بأسلوب عظيم انتهجه سيد الخلق بالتعامل مع الأمة أجمع وهو أسلوب الإحسان والموعظة الحسنة واللين والرفق.. باختصار التربية بالحب هي أنجع الأساليب التربوية أن يستطيع الآباء من خلالها بناء جسور الحب مع الأولاد وأن يكونوا قدوتهم الأولى والمرجعية في حال أخطؤوا أو تعرضوا لمشكلة ما هذا أعظم إنجاز. 
كثير من الأولاد يخافون آباءهم وذلك مردُّه للعقوبات والتقريع وأساليب الزجر أو التوبيخ حال وقوعهم في خطإ ما رغم أن كل ابن آدم خطاء ورغم أن المنطق يقول:إن مهمة الآباء في هذه المرحلة هو بث روح الطمأنينة في الابن والوقوف بجانبه والأخذ بيده ليستطيع التفكير بهدوء وإيجاد الحلول بنفسه لمشكلاته التي أوقع نفسه فيها ومن ثم مناقشة الأمر معه بحيادية وإيجابية واستخلاص القانون الناظم الذي يمنع تكرار مثل هذا الخطإ من رأيه وبلسانه هو بعد خوضه للتجربة.. برأيي الأهل في مرحلة المراهقة عليهم المراقبة غير المباشرة لتجارب الابن وهو يتعثر ويقف ويبدأ تدخلهم بشكل غير مباشر حال العثرات الشديدة قليلا ولا يكون التدخل المباشر إلا حين يشعر الآباء أن ناقوس الخطر بدأ يدق فيتدخلون تدخلا مباشرا لرد الأذى عنه.. ومن الأسباب أيضا التي تُحدِثُ خللا واضطرابا في شخصية الابن في هذه المرحلة هو عدم اتفاق الوالدين على أسلوب تربية وتعامل توافقي بينهم فتنهج الأم أسلوب التدليل غالبا لدرجة الإفساد والأب أسلوب الشدة والحزم والعنف أيضا لدرجة تدفع بالابن إما للتمرد أو الانكسار وكلاهما يجعله عرضة للانقياد خلف أي شيء يمكن أن يخلصه من هذا الواقع الذي هو غير راض به وغير قادر على التوائم معه..
في النهاية أود القول:إن أولادنا أمانات في أعناقنا وهدايا الله سبحانه لنا وتنشئتهم هي أعظم مشروع أوكل الله إلينا بنجاحه ترتقي المجتمعات وهم يخلقون صفحات بيضاء نحن من نزرع فيها القيم منذ الطفولة الأولى ونحن من نبني هذا الكيان الداخلي فيها والذي يشكل لاحقا المرجعية الذاتية أو الضمير الذي يقيس عليه المراهق تصرفاته فإن نحن ما قمنا بهذه المهمة في وقتها المبكر فلا نرمي اللائمة على الابن عندما يصبح بعمر المراهقة والتجريب والتخبط غير المرتكز على مرجعية.
وأخيرا المفردات: (ثوران تمرد عناد حيرة) ما هي إلا نتائج تهيئتنا غير الكافية للأولاد لخوض هذه المرحلة الانتقالية التي كان من الممكن أن يعبروها بسلام لو أنهم أُعِدُّوا لها الإعداد الصحيح الكافي.
أهيب بالأهل أن يتعاملوا مع أولادهم كأصحاب رأي وفكر وأن يحترموا إنسانيتهم وأن يقروا بأنه ليس فقط المراهق هو الذي قد يخطئ بل قد نكون نحن المخطئون فلنحتضن أولادنا ونشبعهم عاطفيا ونشعرهم بالاحترام ولنقبلهم بطباعهم وعلى اختلافهم قبل أن يتلقفهم الفضاء الخارجي بكل ما فيه من مغريات.. فالإنسان أيا كان عمره إن لم يجد التقدير للذات في محيطه بحث عنه خارجه.
..يُتبع..