نحو إعادة بعث الموروث الثقافي والفكري الإسلامي وتحريك الإبداع

  • PDF

مراصد
إعداد:جـمال بوزيان

الاجتهاد الفلسفي اليوم تقليد لدراسات غربية
نحو إعادة بعث الموروث الثقافي والفكري الإسلامي وتحريك الإبداع

ترصد أخبار اليوم مقالات الكُتاب في مجالات الفكر والفلسفة والدِّين والتاريخ والاستشراف والقانون والنشر والإعلام والصحافة والتربية والتعليم والصحة والأدب والترجمة والنقد والثقافة والفن وغيرها وتنشرها تكريما لهم وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر متوازن ذي متعة ومنفعة.

الحقل الفلسفي.. وحتمية الإبداع المتميز
أ.محمد عدنان بن مير

بمناسبة اليوم العالمي للفلسفة الموافق السابع عشر من شهر نوفمبر كل عام الذي نحييه كل مرة باعتبار الفلسفة علما بل هي أم العلوم جميعها دون نكران أو مجاملة لهذا العلم الإنساني الخلاق الباعث على الأمل والحياة في الإنسان باعتباره المتعاطي الفلسفة على اختلاف المشارب ومعتقدات الأجناس البشرية ونظرتها إلى القضايا الفلسفية وتعاطيها للفكر الفلسفي بفعل التقارب بين ثقافات الشعوب وتبادل الحوار الفلسفي..كل هذا الكم من الطروحات يدفعنا إلى التساؤل: إذا ما وقفنا وقفة تأمل وتدبر في الحقل الفلسفي أم لا؟.. وماذا قدمنا نحن العرب والمسلمون عموما إنتاجا فكريا يضاف للرصيد الفلسفي العالمي بمعنى: هل استطعنا تقديم فكر فلسفي مميز ومستقل بذاته بعيدا عن التقليد واستقدام المفاهيم الفلسفية الحداثة ومحدثاتها؟
وعندما أقول نحن العرب والمسلمين أقصد بقولي فئة النخبة المتقدمة هل استطاعت أن تضيف بضاعة مجزأة ومستقلة بذاتها تعبر عن ثقافة ومبادئ الحضارة العربية الإسلامية؟
من الطبيعي يكون حكمي هاهنا قاسيا بعض الشيء وبعيدا عن تنكر لجميل أعمال فلسفية بدت ظاهرة للعيان في الخزانة الفلسفية وإنما أرنو من هذا الطرح إعادة بعث الفكر الفلسفي مبعثا يتولد منه نتاج فلسفي عربي خالص لا غبار عليه ونفيس المعدن يحيي علم الكلام والفِرق الكلامية التي كانت سائدة في عصور النهضة الإسلامية العربية وإذ نحن في أمس الحاجة لها كحاجة الظمآن للماء..
إن العمل أو الاجتهاد الفلسفي اليوم في نظرنا ما هو التقليد للدراسات الغربية وإن لم يكن تقليدا فهو محاولة استقراء لا طائل منها.
يرجع عقم الحقل الفلسفي العربي والإسلامي عموما في نظرنا إلى عديد الأسباب.. تعود إلى مجاورة الغرب وتقليدهم بحكم الرابط التاريخي المنطوي تحت ظلال الاستدمار الغربي الذي عرفته معظم الأقطار العربية الإسلامية وحاجة تلك الشعوب إلى الانعتاق والحرية فلعبت مفاهيم الحداثة دورها في كبح جماح الإبداع الفكري والفلسفي وجعلت منه مجرد تقليد واستقدام المفاهيم الفلسفية الحداثية الغربية وتخلت عن قديم التراث الفكري والثقافي والاجتماعي الفلسفي العربي والإسلامي بخلاف ما دأب عليه الأسلاف إذ استطاعوا أن يمازجوا بين الفكر الإسلامي العربي والفكر الغربي بتعدد معتقداته أبانت عن عصارة فكرية  وكلامية فلسفية تجد لها قدما في الفكر العالمي فكانت أعمال بعض المفكرين والعلماء عربا ومسلمين مصدرا لأعمال أدبية عالمية أمثال ابن عربي وغيره...وباتت أعمالهم مبعثا لنظريات غربية رائد أمثال ابن خلدون.
إن العقم الذي يعرفه الحقل الفلسفي إنما سببه التقليد واستقدام المفاهيم الفلسفية الحداثية الغربية دونما تأصيل وإعادة تبيئتها ذلك أن المشتغلين في الحقل الفلسفي ظنوا أن كل قديم قد عفت آثاره وانقطعت علاقته بالحاضر... وعلى هذا الطرح اتبعوا سبيل الحداثة التي لم نجنِي منها إلا التقليد.. مع الاحتفاظ لهم بشيء من التزكية للجهد الذي قدموه دون تحيز.
لزاما علينا اليوم البحث في قديم الفكر الفلسفي للوصول إلى نظرة تقييمية نبني عليها مستقبل البحث الفلسفي مرة أخرى ذلك أن الفكر الإنساني سلسلة متصلة الحلقات ولا يمكن الفصل بينها.
واعتبارا من أننا خير أمة أخرجت للناس علينا الاهتمام بالحقل الفلسفي والتدبر في الكون والبحث في أسراره فنحن أحق بالفلسفة والتدبر من غيرنا باعتبارها ذات أصول إسلامية منذ عصر إبراهيم الخليل عليه السلام الذي تدبر في الكون ليلا ونهارا فأدرك حقيقة الوجود ونقلها إلى قومه وأقام عليهم الحجة والبرهان الصادق وبذلك يكون إبراهيم الخليل عليه السلام واضع أسس منهج علمي البحث والتدبر يقوم على البرهان الصادق الذي لا يقبل الطعن فيه..
ثم أتي من بعده النبي محمد صلى الله عليه وسلم الذي بحث عن الحقيقة حتى الوجع وأدركها بفعل اقرأ الذي كان أول كلمات الوحي فكنا نحن أولى من غيرنا بالقراءة والكتابة والتدبر.. ومن هذا القول نتمسك بالفلسفة باعتبارها تدبرا في الكون ومحاولة لإيجاد الحلول الواقعية المعضلات الإشكالات نعاني منها في عصرنا أشد العناء.
ومن معوقات الإبداع الفلسفي والفكر اليوم بحسب اعتقادنا هو الهاجس أو النفق المظلم الذي تعيشه الفلسفة.. إذ لها تصور في  بعض الأذهان باعتبارها فصل الإلحاد والحقيقة غير ذلك يتبين هذا مما سبق عرضه وتجربة الخليل عليه السلام فالمطلوب اليوم إزالة الضبابية على الحقل الفلسفي والفكري ترغيب النشء في الفلسفة  والتدبر الفكري من أجل إعداد نخب مثقفة تمارس التدبر بمراجعة برامج التعليم وتعميم تدريس الفلسفة تمهيدا لذلك مع العمل على تبيئة وتأصيل المفاهيم الفلسفية وجعلها في متناول الجميع فإذا وصلنا إلى تحقيق هذه الغاية تمكنا من إيجاد نتاج فلسفي متميز ومستقل بذاته يتزين مبادئنا وقيمنا الأخلاقية وثقافتنا بعيد عن الشخصنة أو الأنسنة يقوم على البراهين والحجج في حوار كلامي راق عملا بسلوك  أسلافنا في المناظرات والمحاججة برغم تعدد المشارب والأعراق بتطليق الطائفية كما كانت الفِرق المعتزلة والاشاعرة وغيرهم اختلفوا فأنتجوا فكرا راقيا استطاع أن يجد صداه في الفلسفة والفكر الإنساني العالمي يحترم فيه الرأي والتعبير.
إن الاهتمام بالعقل التدبري الفلسفي اليوم نراه مطلبا وحاجة للعقل إليه كحاجة الجسم للأكل والشرب والدواء حين المرض.
إن التدبر الفلسفي دواء لآفات الفكر خصوصا التطرف الفكري والغلو إذ هو الداء الذي ينخر جسد هذه الأمة وبالتالي فإن إعادة تأسيس فكر التدبر الفلسفي وبعثه من جديد باعتباره رابطا يساهم في إيجاد حلول لمعضلات جسام وتكريس مبدإ حرية الفكر بلا إفراط ولا تفريط وألا نجعل للعقول أقفال.
كل هذه العوامل تجعل من الإبداع الفكري والفلسفي والتميز به ضرورة حتمية يتطلبها العصر لرسم متخيل في الذهن الغربي عن الحضارة الإسلامية والعربية إذ نشهد تسارعا في نقل المعلومات واستغلالها بالوسائط التكنولوجية الحديثة والمتطورة منها الإعلام والإعلام الموجه الذي يستغله الغرب في رسم صورة كقطع من الليل المظلم عن المسلمين لدى الرأي العام العالمي إذ أصبحت المعضلات والإشكالات التي يعج بها الوسط الاجتماعي والسياسي والاقتصادي والديني مركبا يستعمله الغرب ليمارس به كل أنواع الضغوطات والاستغلال علينا.
ومن هذا المنطلق كان لزاما إعادة بعث الموروث الثقافي الفكري والفلسفي الإسلامي وتحريك الإبداع بدلا من استيراد مفاهيم الحداثة إذا تم بعث التدبر الفلسفي والفكري الأصيل سوف يساهم في إيجاد حلول لمعضلات جسام وتكريس أسس منهج فلسفي مميز بذاته يضع موانع من زوابع الغرب ولا يتأتى هذا إلا بالإبداع والتميز وإزالة المتخيل الغربي عن النمط العربي والإسلامي ثقافة وجوهراحتى لا نبقى على عقول أقفالها.
***
أنا والآخر
أ. حشاني زغيدي


كنت دائما أحب الحياة الاجتماعية كنت أحرص أن أكون متناغما مع روح الجماعة لأن الفردية والانكفاء على الذات يحرم الإنسان التعلم والاستفادة من تجارب الآخرين فالحياة الاجتماعية ليس معناها إلغاء الخصوصية الفردية كما يعتقد البعض.
داخل الحياة الاجتماعية يستفيد المرء بمِنح ومزايا عظيمة حيث يتعرف على أنماط التفكير يتعرف على الفروق التي تميز كل تشكيلة فتنشأ علاقات طبيعية مع الفريق تتجاوز هذا التلاقي عالم الأفكار والقناعات فهذا التلاقي تقويه الرابطة الإنسانية التي يكون التفاضل فيها أساسه التقوى والصلاح التمست تلك المعاني السامية من وحي القرآن الكريم في الآية الثالثة عشرة من سورة الحُجُرات وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَر وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ الآية رقم 13.
من لطائف الحياة الاجتماعية توفر للفرد أجوار التقارب والتفاهم الذي يزيل عوائق الواصل بين أجزاء المجتمع في تلك أجواء تصنع ثقافة التعايش الذي يلغي التصادم والإقصاء والتمايز الذي يعكر مساحات التلاقي على المشترك الكبير والمصالح الحيوية العامة تفاهم يقضي على التعصب المذموم الذي ضاقت ويلاته المجتمعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها.
وجدت في للحياة الاجتماعية فضائل لا وجود لها في حياة الانعزال فالحياة الجماعية مساحة وفضاء لتبادل المنافع حيث يتعلم الفرد على البذل والعطاء ومشاركة الآخر بل تتجه اهتمامات الفرد لغيره فيتجسد التعاون والتكافل والتآزر فيتشكل تراحم المجتمعي لم أجد تصويرا أدق وأوضح من ذلك الحديث النبوي الشريف كأنه لوحة فنية تحاكي النموذج المثالي للمجتمع المتكافل والتعاضد.
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (مثلُ المؤمنين في تَوادِّهم وتَرَاحُمِهِم وتعاطُفِهِمْ مثلُ الجسَدِ إذا اشتكَى منْهُ عضوٌ تدَاعَى لَهُ سائِرُ الجسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى).
الراوي: النعمان بن بشير | المحدث: الألباني | المصدر: صحيح الجامع | الصفحة أو الرقم: 5849 | خلاصة حكم المحدث: صحيح | التخريج: أخرجه البخاري (6011) ومسلم (2586) واللفظ له.
فالحياة الاجتماعية للفرد فرصة نجدد فيها دورة الحياة من خلال التواصل الاجتماعي الإيجابي تواصل المشاركة في تحمل الأعباء وتقاسم الأدوار لأن الواحد منا لا يستطيع العيش في منعزل بعيدا عن الناس فالإنسان اجتماعي بطبعه.
****
ما قبل مونديال قَطر  وما بعده
أ. خالد السلامي


بغض النظر عن بعض مواقف حكومة قَطر السياسية الدينية والدينية السياسية وتحفظنا عليها.. إلا أن ما حققته هذه الإمارة الصغيرة في مساحتها والكبيرة في إبداعها من نجاح في تنظيم وافتتاح بطولة كأس العالم هذا المحفل الرياضي الأكبر عالميا بهذا الشكل البديع الذي أبهر العالم كله قاصيه ودانيه قد أثار حفيظة كل الحاقدين على العرب والعروبة فراحوا يختلقون المشكلات والذرائع الباطلة من موضوع حقوق الإنسان ومحاربة الكفر بدينها الذي حاولوا جلبه معهم إليها وإلى العرب والمسلمين بما يسموه مجتمع المثليين الذي يُحرَّمُه الدين الإسلامي والأعراف العربية بشكل لايقبل النقاش لغرض التقليل من قيمة هذا النجاح المنقطع النظير والذي أظهر حقيقة العرب حاملي راية الإسلام وإظهار صورتهم الواضحة المحبة للسلام والإبداع والتسامح والمساواة بين كل أبناء البشرية المحبين للسلام هذه الصورة التي دفع المتضررون من العرب والحاقدون عليهم مليارات المليارات من الأموال منذ أكثر من قرن من الزمان لتشويه صورتهم ووصفهم بالهمجية والبداوة والوحشية والجهل ثم لصق تهم الإرهاب والقتل فيهم حتى صار العربي يخجل من انتمائه لأمته بل ويسخر منها بسبب عدم وجود قيادات عربية تعيد الثقة للمواطن العربي بأمته التي تمتلك تاريخا مشرقا عظيما منذ خلقوا إلى يومنا هذا بحكم أخلاقهم وتقاليدهم التي كانت قبل الإسلام والتي عززها الإسلام بعد تشريفهم الإلهي باختيار آخر أنبياء الله محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم منهم ثم حمل رسالة الإسلام إلى البشرية جمعاء وجعل لغتهم هي لغة قرآنه وعبادته ولغة أهل جناته وإقامة دولة عظمى غطت أجزاء واسعة من قارات العالم الثلاث آنذاك (آسيا وأفريقيا وأوروبا) ونشر العدل والمساواة والعلم والحضارة فيها والتي ماتزال شواهدها حاضرة في الأندلس وكل البلاد العربية وغير العربية التي شملتها تلك الدولة العظمى حينذاك هذا التاريخ العظيم الذي حققه أناس يصورهم أعداؤهم على أنهم بدو رحل لا يعرفون المدنية ولا التحضر هذا التاريخ الذي أثبت للعدو والصديق قدرة هؤلاء الرحل على تحقيق كل تلك الإنجازات العظيمة مما ولَّد كل هذا الحقد والتآمر على العرب والانتقام منهم بأبشع الصور والطرق من تشويه وفتن وحروب ودمار. إن ما حققته قَطر للعرب من نصر إعلامي كبير يجب ألا يذهب إلى زوايا النسيان كما ذهبت العديد من إنجازات العرب المُشرِّفة عبر قرون من الزمن وصار من الضروري جدا الحفاظ عليه وتطويره ليعود العرب إلى صورتهم الحقيقية وتعود ثقة المواطن العربي في أمته ودينه.. فهل سيستفيد حكامنا العرب من هذه الفرصة التاريخية والعودة إلى أمتهم والاهتمام بها وبمكانتها التي يجب ان يفتخر بها كل أبنائها فيكون النجاح العربي الكبير الذي تحقق في قَطر هو الحد الفاصل ما بين مرحلة التشويه المتعمد لأمة العرب وما بين إعادة هيبتها؟.