استقراء التاريخ والانفتاح على تجارب ناجحة يُعزّز حضارتنا

  • PDF

مراصد
إعداد: جمال بوزيان

أخبار اليوم ترصد آراء أساتذة حول الصفوة والمجتمع والتغيير
استقراء التاريخ والانفتاح على تجارب ناجحة يُعزّز حضارتنا

تعيش الأمة واقعا سيئا ومن حين إلى آخر يتزايد حصادها المر وما تزال تتخبط في أتون من الأخطار والأزمات والمشكلات بعيدا عن نهضة حضارية تنعشها.
سألنا أساتذة عن أسباب تعطل التغيير الحقيقي وأين يكمن الخلل؟ وهلِ الجهود ليست بحجم تطلعات الشعوب وآمالها وأحلامها أم الأهداف لا يمكن تحقيقها عبر الوسائل المتاحة حاليا؟ وهلِ التغيير الإيجابي المنشود غير مدروس أو مدروس لكن دون عمق؟ وهلِ الصفوة النخبة متكونة ولها القدرة الكافية لإحداث واقع جيد للأمة تنهض فيه من سباتها العميق وإزالة الفجوة المعرفية الواسعة جدا أم ذاك يحتاج وقتا طويلا؟.

***** 
ضرورة معرفة أمجاد الأمم لحُسن البِناء الحضاري

سعاد ع.

إن المتأمل في واقع الأمة العربية والإسلامية يلاحظ حالة التشظي الذي آلت إليه وكم أن بنى أنسجتها هينة حالة من الضعف والهوان وشتات واختلاف ضعف في العقيدة وضعف في القوة والعدة وضعف في القرار وفي تسيير شؤون نفسها... ولهذا فإن توصيف أبعاد أزمتنا وسبر أغوار معضلاتنا يغدو عملا كبيرا تتعدد قراءاته فترانا في سباق من التحيزات نجتمع ونتنافر بناء على تلك القراءات المختلفة.
يقدم الإسلام مفهوما واحدا للأمة الواحدة أساسها قولالله جا وعلا: وأن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فأعبدون . سورة الأنبياء الآية 92.. لكن هذا المفهوم الرحب والفضاء الاستيعابي الكبير قد تم اغتياله..لقد شخص النبي صلى الله عليه وسلم ذلك المرض الذي أصاب الأمة الإسلامية قبل أربعة عشر قرنا حينما تنبأ قائلا: يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها..قالوا: أمن قلة يومئذ نحن يارسول الله؟ قال:بل أنتم كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولتنزعن المهابة من صدور عدوكم منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن .رواه الترمذي حديث صحيح.
إذا أسقطنا الحديث عن واقعنا نرى دقة التصوير النبوي لما تعانيه أمتنا نرى حربا معلنة على مستويات عدة وتزايدا مطردا في مآسيها فلماذا هذا الكم الكبير من الحصاد المر؟ ولماذا تعطلت عجلة التغيير؟.
يمكن أن تعزى الأسباب الى نواح عدة نجمل أهمها فيمايأتي:
*غياب التوظيف الحضاري للعقيدة الإسلامية الذي اقتصر في جله على ممارسة تفضي إلى الآخرة تاركين توظيفها في عمارة الأرض والأخذ بالأسباب.
*ظهور نخبة مثقفة في مرحلة النكسةلعبت دورا مهما في تغييب وعي الأمة وإغراقها في أوهام القومية وأبعدت الناس عن الواقع بأمجاد مصطنعة وخدرت شعورهم وانتمائهم الديني بدعاوي القومية والتقدمية مما يسر اختراق هوية المجتمع العربي المسلم والعبث بمقوماته.
*العبث بثوابت الفكر الإسلامي والانسلاخ منه تحت شعارات البحث والتجديد حيث لم يعد خافيا تأثر الأجيال المسلمة بكتابات بعض رموزه وتبني قيم الغرب وأفكاره وثقافته وحتى أسلوب حياته وسموا أنفسهم المجددين وما أكثر برامجهم المترفة التي تعد تكرارا لشبهات قديمة كمثال على ذلكمناقشاتهم إمكانية تطبيق الحدود وميراث المرأة وحجابها والموقف من التراث وماشابه.
*الاستبداد السياسي والسيطرة على أمر الأمة فتح أبواب الظلم والفساد وكل ضروب العدوان ساعدته في ذلك آليتان:
1- الفكر الصوفي الذي طالما أضفى الشرعية على استبداد الحكم وانفراده بالأمة فاستحكم الفكر الجبري لتكتمل مقومات الخضوع للمستبد.
2- إحكام السيطرة على أجهزة الإعلام لتضع يدها على صناعة الرأي العام وإمعانافي تشويه الوعي الاجتماعي وتزييف التاريخ.
3- تراجع جودة التعليموتكريس رداءته:إن التضييق على أم العلوم المتمثل في شُعب الفلسفة وعلى معاهدها واستبدالها بشُعب أخرى مثلا كان متعمدا في الكثير من البلدان العربية والإسلامية..لأن تدريس الفلسفة يرسخ الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان ويمهد الطريق نحوالتحرر وهذا مايخشاه المستبدون بالرأي الذين يرعبهم بريق الحرية والعدالة والديمقراطية.
وعليه إذا استقرأنا تاريخ التغيرات الكبرى في حياة المجتمعات وجدنا نخبا تقوم بحمل لواء التغيير وتتبني الأفكار والمشاريع والبرامج الجديدة وفق نمط جديد للتفكير.
فلو نظرنا على وجه التحديد إلى تعامل النخب العربية مع مايجري في مجتمعاتها لأعيتنا العبارات والنعوت الملائمة وانتهينا إلى أنها مجتمعات تأبى الحياة..ففي المجتمعات الحية توجه النخب وتستقطب الرأي العام وتحشد طاقاته وتجتهد في تنظيمها وتفعيلها تطرح المشاريع والنصوص المنتجة تصحح الوعي الزائف وتخلق حراكا منتجا يحرك عجلة التغيير.
وبالرغم من تميز نخبنا -على اختلافها سياسية ثقافية إعلامية اقتصادية- فكريا وعلميا لكنها عاجزةواقعياودون دور فعال بسبب تلك اللحظة الانهزامية التي قبلوا فيها بالدونية والتبعية لهيمنة السلط..فأضحت نخبا مغيبة وإلى حد كبير بإرادتها ويظهر هذا التغييب واضحا في الظروف العصيبة التي تمر بها المجتمعات العربية وتمرير التطبيع مع إسرائيل أكبر دليل على ذلك..وقد كان لجل هذه العوامل الأثر السلبي على مصداقية هذه النخب كما أفقدها ذلك ثقة الجماهير.. ويسر على السلطة عملية تدجينها فأضحت مصنوعة لاصانعة موجودة بغيرها لابذاتها..وأمام هذه المعطيات التي تؤكد حجم الإكراهات التي تعوق عمل النخب تصبح مهمة هذه الأخيرة نحو الإصلاح والتغيير أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا.
لكنها حتما ستضع أول خطوة في طريق نجاحها في عملية التغيير إذا نجحت في:
1- أن تتحد في مستوى سلطة في ذاتها مستقلة وانتفاء هذا الشرط سيخل بوظيفتها في تحقيق المشروع المجتمعي وفي خلخلة الموازين يراهنون فيه على التغيير القائم على أساس من القيم الإنسانية والأخلاقية (حرية عدالة كرامة العيش الصدق..) أتحدث عن نخبة صانعة وليست مصنوعة نخب قائمة على مبدإ الصراع الدائم حتى مع نفسها.
2- يمكن للنخب أن تغير عندما تكون قادرة على حماية وعي المجتمع من عبث السلط من خلال تأصيل المفاهيم الأساسية ولنا أن نتخيل حجم الكارثة حيث تغدو النخبة جزءا من عملية التضليل.
3- يمكن للنخب أن تغير عندما تكون الرغبة أكثر من المعرفة وما نراه اليوم أن النخبة تجهد نفسها في تحليل الصراعات والخطط والمشاريع وتتوقف جهودها عند هذا الحد وترى نفسها حققت كثيرا من أهداف النضال الكثير.
4- يمكن للنخب أن تغير عندما ترفض أن تتلقفها جهات إعلامية أو فكرية مؤدلجة لتصنع منها ثائرا متصدرا العناوين العريضة..وهذا مايحصل غالبا.
5- يمكن للنخب أن تغير عندما لاتقدم الولاء لجهة مستحكمة لمقدرات الأمة مقابل الحصول على ريع بدل التمسك بمبادئها وهذا ما أنتج نخبا مغشوشة خرجت من فضاء أمتها لتقذف بها خارج التاريخ..إن القارئ لتاريخ أمتنا يعلم يقينا أنها مرت بحالات أسوإ..يكفي أن نشير لعصر إمارات المدن وتحالفها مع الصليبيين لكنها عادت لتنهض بمبادرة لقادة عظام رسموا طريق النهوضواستنهضوا العلماء والمفكرين والمثقفين..والتغلب على هذا النكوص ممكن إذ يحتاج منا:
1- جعل القرآن الكريم هو المرجعية الأولى في النهضة الحضارية والتغيير لأنه المنهج المهيمن على كل تجربة أو فكرة.
2- الالتفاف حول علماء الأمة الراسخين في العلم المعروفين بصلاح المعتقد وسلامة المنهج فالاستئناس بهم فيه مصلحة عظيمة للأمةالذين لايصدرون آراءهم إلا بعد النظر والتمحيص في النصوص الشرعية دون ليّ أعناقها. 
3-استقراء التاريخ وتجارب الأمم والحضارات والانفتاح على مختلف التجارب الإنسانية الناجحة من شأنه أن يعزز خبراتنا.
يقول المفكر مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة : .. إنّ للتاريخ دورة وتسلسلًا فهو تارة يسجل للأمة مفاخر عظيمة ومآثر كريمة وهو تارة يلقي عليها دثارها ليسلمها إلى نومها العميق فإذا ما أخذنا هذه الملاحظة بالاعتبار تحتّم علينا في حلّ مشكلاتنا الاجتماعيّة أن ننظر مكاننا من دورة التاريخ وأن ندرك أوضاعنا وما يعترينا من عوامل الانحطاط وما ننطوي عليه من أسباب التقدم فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ يسر علينا أن نعرف عوامل النهضة أو السقوط في حياتنا.. .
4- بعث الأمة من خلال نخبة رسالية مثقفة غير مغشوشة ولا مدجنة قادرة على تجديد منهج إجرائي لتحقيق مقاصد قيم العدالة والحرية والكرامة في دنيا الناس.
5 - إعادة النظر في مفاهيمنا التقليدية الموروثة سواء من تراثنا الاسلامي أو تراث الأمم ويكون ذلك وفق رؤية علمية مبنية على الحجة البينة وبعيدا عن طغيان الارتجالية.
6 - مراجعة الأطروحات الجوهرية التي نتداولها منذ أمد على الرغم من المتغيرات الكبيرة الراهنة وتغييرها أو مراجعتها بعد أن ثبت فشلها في تصحيح واقعنا أو غدت أفكارا ميتة أو مميتة أو فقدت مبررات وجودها يحذونا في ذلك القانون الإنساني العام الذي وضعه الله عز وجل: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم . سورة الرعد الآية11.
آن الأوان لنتلمس طريقا لهذه الأمة لتخرج من المأزق الذي تاهت وتتيه فيه وأن نعيد هذه الحضارة إلى مسارها الذي ينبغي أن تكون عليه ولايتم ذلك إلا بعد أن تعود الراية للأمة من يد البغاة العتاة ونقودها باسم الإسلام والعدالة التي أرادها الله والتي هي على منهج الرسول صلى الله عليه وسلم.. نأمل ذلك وماذلك على الله بعزيز.
..يُتبع..
=== 
أهمية التاريخ في حياتنا


* الأستاذ محمد مروان


من لا تاريخ له لا حاضر له هذهِ مقولة نؤمن بها أشدّ الإيمان فالتاريخ دوماً هو الحافز الدافع للإنسان أن يتقدّم ويُحرز شيئاً ولا أدلّ على ذلك من قصّة الإسلام التي ما زالَ المسلمون حتّى اليوم يطمحون للأعالي وللقمّة لأنَّ لهُم تاريخاً يدفعهم نحو المجد الذي تربّعوا على عرشه يوماً ما حيث كانت لهُم الدُنيا طائعة والملوك صاغرة والتاريخ البشريّ بشكل عامّ هو علم تخصّص به الدارسون وأفردوا لهُ جانباً عظيماً من الاهتمام وسنقف في هذا المقال على أبرز وجوه هذا العلم والأهميّة التي يضطلع بها عِلم التاريخ. 


علم التاريخ
لا شكّ أنَّ علم التاريخ كباقي العلوم يستند على حقائق علميّة ثابتة من خلال الأدلّة المرويّة عن المكان والإنسان ومن خلال الأدلّة المُشاهدة الماثلة للعيان والتي أخرجها للضوء علم الآثار بتنقيباته وحفرياته وعلم التاريخ يقوم بتأصيل الأحداث والوقائع الهامّة التي مرّت على الأرض سواءً قبل الحياة البشريّة وكذلك الأحداث التي جرَت بسبب الإنسان وهوَ ما يُعرف بالتاريخ البشريّ أو التاريخ الإنسانيّ.


أهمّيّة علم التاريخ
يُعطي علم التاريخ تصوّراً دقيقاً وواضحاً عن العالم القديم والتجارب التي مرَّ بها الإنسان وبالتالي تكون هذهِ الدراسة باباً من تجنّب ما وقعَ بهِ الأقدمون من الأخطاء والتي جرّت عليهم الويلات والدمار.
علم التاريخ هو دروس ماضية تُفيدنا للتخطيط المستقبليّ فعند معرفة سيرة الحضارات السابقة وكيف قامت وما هيَ عوامل ازدهارها ونهضتها وما هيَ أسباب دمارها وزوالها فإنّنا بلا شكّ نختصر على أنفسنا العديد من التجارب ونتحاشى الخطأ السابق ونمضي قُدُماً نحوَ ما أراهُ التاريخ لنا مُناسباً.
علم التاريخ يجعل الإنسان مُتّصلاً بأجداده وأصوله التي هوَ امتدادٌ لها والتاريخ الإسلاميّ مثال على ذلك فنقف عند دراسته على سيرة النبيّ المُصطفى عليه الصلاة والسلام التي هيَ جُزءٌ عظيم من دراسة التاريخ الإسلاميّ وهي السيرة النبويّة حيث يكون في تدوين هذا التاريخ معرفة لحياة النبيّ صلّى الله عليه وسلّم ومعرفة الأحداث والغزوات التي وقعت على زمن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وكذلك من خلال تأريخ الحقبة النبوية الشريفة نقف من ذلك على مصدر أساسيّ من مصادر التشريع الإسلاميّ وهي الحديث النبويّ الشريف الذي هوَ عبارة عن الأقوال والأفعال التي فعلها رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو أقرّ غيرهُ عليها.
علم التاريخ يُنصف الأمم ويحفظ التراث للأمم فكثيرمن التراث الذي تتميّز به الدول هوَ بسبب حفظ التاريخ لهُ وإبرازه بالشكل المميّز لتلك الدولة.
يساعد على معرفة ما كان من شأن الأمم البائدة بشكل عام حيث يفيد هذا الأمر في معرفة الطريقة التي تقدّم بها الإنسان والذي نتج أساساً عن تقدّم العقل البشري وما صاحبه من تقدم في النظريات والفلسفات والعلوم والأفكار المختلفة إلى أن وصلت كلها إلى ما وصلت إليه اليوم من تطور كبير فأفكار اليوم ليست كالأفكار في القرون الوسطى.
يؤدّي التعمق فيه إلى إدراك الكيفية التي تنهض بها الأمم والحضارات المختلفة وإلى إدراك العوامل التي تسرّع من أفول هذه الحضارات وربما تكون أهم أسباب الأفول الحضاري الابتعاد عن الأفكار المؤسسة لحضارة معينة ففي بداية نشأة الحضارة يكون التمركز كبيراً جداً حول أفكارها المؤسسة أو حول الشخص المؤسس وبعد مضي فترة عليها يبدأ الأفراد بالتمرّد شيئاً فشيئاً وتبدأ الأطماع البشريّة بالتسلل إلى النفوس إلى أن تدبّ النزاعات وتسيطر الخلافات ويصبح كلّ امرئ معنياً بنفسه ومطامعه فقط فتأتي حضارة أخرى فتحل محلها وهكذا في المجمل.
يعلم الناس في الزمن الراهن ما ينفعهم من أجل استدامة نوعهم وأفكارهم وعلومهم وحضاراتهم فالناس مرتبطون بشكل أو بآخر بالتاريخ وإن حاولنا التعمّق في بعض الحضارات نجد أنّ التاريخ له أهميّة عظيمة في راهن أبنائها ذلك أنّهم يعتمدون على القدماء بكلّ صغيرة وكبيرة كما يحصل في الحضارات ذات النزعة الدينيّة وعلى وجه التحديد الحضارات المبنية على الأديان التوحيدية فالنصوص الدينية تبدأ بالكتاب السماوية وتأخذ بالتطور شيئاً فشيئاً إلى أن يصير تراثاً كاملاً متكاملاً يتضمن العديد من المجلدات والمؤلفات الضخمة والكبيرة.
قدّم التاريخ نماذج حية للناجحين فالتاريخ طافح بالنماذج الإيجابية التي يمكن أن يرى الإنسان بها نفسه في أي زمان ومكان فالتاريخ فيه معلومات عن الأنبياء والرسل وأتباع الدين الحق ومن أحاطوا بالرسل والعلماء والمفكّرين والمبدعين من الفنانين وغيرهم والفلاسفة والحكماء وغيرهم فكلّ هؤلاء استطاعوا إضافة الشيء الكثير للتاريخ والإنسانية.