القوة .. عامل حاسم في صراعات المجتمعات لامتلاك السلطة والنفوذ

  • PDF

مراصد
إعداد:جـمال بوزيان

اعتبارا لمتطلبات الإنسان من أجل الحياة
القوة .. عامل حاسم في صراعات المجتمعات لامتلاك السلطة والنفوذ

ترصد أخبار اليوم مقالات الكُتاب في مجالات الفكر والفلسفة والدِّين والتاريخ والاستشراف والقانون والنشر والإعلام والصحافة والتربية والتعليم والصحة والأدب والترجمة والنقد والثقافة والفن وغيرها وتنشرها تكريما لهم وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر متوازن ذي متعة ومنفعة.

*****
جدلية القوة التنظيمية من وجهة نظر الباحثين
أ‌. د. فاطنة بن عمر

يتجلى مفهوم القوة في تعاليم الدين الإسلامي من خلال قوة الله عز وجل في الخلق والتسيير الكوني فنجدها في كل مجالات الحياة التي يوجد فيها الخلق سواء الإنسان أو سائر المخلوقات الكونية... منذ أن خلق الله الإنسان خلقت معه القوة وكانت محل صراع بين القوي والضعيف حتى التضارب في الأفكار والرؤى واختلاف موازين القوة من فرد لآخر نظرا لامتلاك أحدهما السلطة والنفوذ ومقومات وعوامل تجسد مفهوم القوة بالتالي امتلاكه الوسائل والإمكانات المتاحة التي تقلب موازين المعادلة وترجح الكفة لصالح الطرف الأقوى حتى أننا نجد القوة في أضعف الأمور وأشيائنا اليومية كالمشاعر والأحاسيس فمشاعر وإحساس الأم تجاه أبنائها أقوى من مشاعر الآخرين ولقد استخدمت هذه الكلمة فيما يتعلق بالأشياء الجامدة فهي شكل من أشكال الطاقة Energy فالقوة في العلوم الفيزيقية تعني خاصية القدرة على إحداث أثر ما كذلك نجد معالم تجلي معنى القوة في الموارد الطبيعية والظواهر الميكانيكية كقوة السيول والوديان وظاهرة الكسوف والخسوف فقوة النهر الجاري ليست كقوة النهر الراكد والطاقة الكهروميكانيكية التي تنتج عن الظواهر الطبيعية الأخرى كقوة الموج في عرض البحار والمحيطات وقوة الأعاصير والزلازل والبراكين وغيرها من المعجزات الكونية التي تجسد قوة الخالق في خلق الكون.


قوة.. وقيادة
إلا أن مفهوم القوة ارتبط ارتباطا وثيقا بالقيادة في أي مجال بدأ بالأسرة المجتمع الخارجي على المستوى السياسي وصراع القادة والاستراتيجيات والأنظمة التي تحكمها الاستراتيجيات التي تترجم مختلف الإيديولوجيات كذلك صراع القوة على المستوى العسكري وسياسة الأقوى أيضا قوة الفكر الثقافي والإبداعي تميز عدة أنواع  مستويات الذكاء سواء على المستوى العاطفي أو الاجتماعي والثقافي نأتي إلى الجانب القطاعي الخدماتي الإنتاجي الذي تجسده المنظمة أو المؤسسة التي تعد كياناجتماعيا مكونا من عدة أفراد تجمعهم قيم وعادات واتجاهات وتقاليد وأعراف تلخصها الثقافة التنظيمية داخل التنظيم التي توجد فروق فردية من ناحية القوة بجميع أشكالها في نطاق مايسمى القوة التنظيمية حيث تعد القوة التنظيمية من بين أهم مواضيع الساعة التي أصبحت من أولويات المنظمات الحديثة والمتعلمة نظرا للظروف الراهنة التي تعيشهاالتي تعد وليدة التطورات الحاصلة عبر تاريخ التراث الأدبي المتمثل في نظريات الفكر الكلاسيكي الذي اهتم بكل ما يضمن نجاح وتقدم  وتميز هاته الأخيرة..إن طبيعة الإنسان البشرية تنزع إلى أن يكون في صراع مع شيء ما يخرج منه إما منتصرا أو مهزوما في نطاق علاقة يكون فيها فرد أو جماعة مُسيطَرا عليها والعلاقة هنا علاقة قوة وهذا ما جاء به الدكتور حسين عبد الحميد أحمد رشوان في كتابه القوة والسلطة والنفوذ دراسة في علم الاجتماع السياسي أن القوة ما تزال في جميع المجتمعات الإنسانية تعطي الامتياز والشرف والهيبة والفوائد المادية والترف وهي تحدث عادة بين إنسان وآخر أو جماعة وأخرى من أجل الحصول على القوة بالمقابل هناك معارض ومضاد للقوة حسب الدكتور إسماعيل علي سعد في كتابه عولمة الديمقراطية بين المجتمع والسياسة في مجال العلوم الاجتماعية وعلم السياسة استخدمت هذه الكلمة بمعان مختلفة عبر التاريخ وتداخلت مفاهيم كثيرة مع مفهوم القوة فضلا عن الخلط بينها وغيرها من المفاهيم كالسلطة والنفوذ والقهر والجبر والإكراه حسب R.E.Dawneses and j.A Hughes Political Sociology فقد استخدمت كلمة قوة كقدرة أو خاصية عام 1325 م وهي القدرة على عمل أو إحداث شيء ما أو أي شيء أو هي القدرة على التأثير في فرد ما أو شيء ما فإذا زادت  القوة في إحدى الجماعات فهذا يعني فقدانها لمجموعة أخرى. 


السيطرة 
وإذا ما استخدمت هذه الكلمة ومعها أداة التنكير A أو استخدمت في صيغة الجمع Powers فإنها تعني في هذه الحال إحدى قدرات الجسد Body أو العقل Mind وتعني الكلمة القدرة المستخدمة في اتجاهات أو مناسبات عديدة وفي عام 1382 م استخدمت بمعنى فرد أو جماعة أو شيء كالفرد أو الشيء الذي يملك أو يمارس القوة أو النفوذ أو الحُكم وفي عام 1480 م استخدمت كلمة Power بمعنى الوثيقة  Document التي تعطى السلطة القانونية أو أي بند فيها والقدرة على العمل والسلطة القانونية التي تمنح لفرد أو أفراد بصفة معينة ثم بعد سنوات استخدمت لفظة Power  بمعنى السيطرة على الآخرين أو امتلاك ناصية أمورهم وهي بذلك ترجع إلى أنواع من النفوذ والتأثير بين الأفراد والجماعات من خلال التعامل والاحتكاك بينهم حيث يدفع أحدهم الآخرين لتنفيذ رغبته بواسطة المكافأة أو الإكراه كذلك نجد مصطلح القوة في فلسفة  فريديريك نيتشه صاحب نظرية السوبرمان والقوة عند إريك فروم من المنظور السياسي المتأثر بالفكر الماركسي والفرويدي وفريديريك فريدمان صاحب نظرية سوسيولوجية بناء القوة في المجتمعات وغيرهم من الباحثين الذين اهتموا بمجال القوة في جميع المجالات الاجتماعية والسياسية والعسكرية... و مما لاشك فيه أن المشاهدات اليومية في كافة مجالات الحياة تفيض بنماذج لتفاعل فرد مع أفراد آخرين تحتوي على تأثير من جانب هذا الفرد على سلوك و مشاعر هؤلاء الآخرين وفي مجالات العمل تكتسب هذه العلاقات أهمية خاصة حيث تلعب دورا مهما في التأثير على أداء العمل وعلى الاتجاهات النفسية ورضا العاملين وأن ما نشير إليه هنا هو عملية القيادة Leadership Process التي بمقتضاها يمارس فرد تأثيرا على سلوك ومشاعر مجموعة من الأفراد الآخرين ويتمثل جوهر العملية القيادية في التأثير Influlence الذي يمارسه الفرد القائدLeader على الآخرين الذين يمثلون التابعين Followers أو المرؤوسين Subordinates. وهذا التأثير القيادي يكون نتاجا لمحاولات يقوم بها القائد ويستهدف منها توجيه سلوك أو مشاعر الآخرين والقائد بهذا المعنى هو الفرد الذي يمارس- بالمقارنة بالأفراد الآخرين- أكبر قدر من التأثير على أفراد الجماعة وهو يتميز عن بقية أفراد الجماعة بأن تأثيره على الأفراد التابعين له يفوق تأثير أي  فرد آخر فيها فالقيادة إذن هي عملية تفاعل اجتماعي لا يمكن أن تتم من فراغ وإنما يلزم لها إطار من العلاقات والتفاعلات الاجتماعية بين عدد من الأفراد الذين يشكلون جماعة لكي يتبلور من خلالها الدور أو الأدوار القيادية ويتحدد بناء عليها التأثير والتأثر الذي يتم من خلال هذه العمليات الاجتماعية والقائد هو من تربطه بالتابعين علاقات تفاعل متكررة يمارس فيها تأثيرا مستمرا على سلوك هؤلاء التابعين هذا ما أكدت عليه ماري باكر فوليت التي أكدت على دعم الاهتمام بالجانب الإنساني للإدارة المبني على القوة بالآخرين وليس على الآخرين ومن يملك السلطة له الحق في القوة بالاعتراف في الرغبات المحفزة والمحرّكة لطاقة الفرد والجماعة وهذا ما أكَّد عليه جورج التون مايو من خلال تجاربه في الهاوثورن عام 1924 م-1932 م مع زملائه بربطه زيادة المرد ودية الإنتاجية بتوفير حياة اجتماعية في إطار العلاقات الإنسانية.


القوة في سياق السلطة والشرعية
ثمّ جاء ماكس ويبر صاحب نظرية القوة في سياق السلطة والشرعية الرسمية منطلقاً من تساؤل أساسي وهو: لماذا يطيع الأفراد الأوامر؟ ولماذا يتصرفون وفقاً لما يُقال لهم؟ موضحاً أنَّ الشرعية هي تقبُّل الآخرين للقوة لأنها متفقة مع قيمهم الخاصة وذلك بدمج القوة والشرعية لنحصل أخيراً على ما يسمى بالسلطة وكذلك نظرية التبادل الاجتماعي لإمرسون Emerson مركّزة على قوة الموارد والمكافآت بالإضافة لبعض الدراسات التي قام بها بعض الباحثين العرب وهي مستوحاة من دراسات أجنبية اهتمت بمصادر القوة التنظيمية كقوة لتألق المنظمات في خضم المنافسة نذكر منها: دراسة أ. فهمي فيض الله خورشيد 1997 م ودراسة أ. نعمة خفاجة وسعد درويش 1999 م وأهمها كانت دراسة أ. شاكر جار الله الخشالي 2006 م هاته الدراسات التي لخصها الباحث الدكتور سعيد مؤيد السالم من جامعة نينوى بالعراق في كتابه القوة التنظيمية سنة 2009 م إلا أن جل الدراسات والأبحاث التي تم التطرق لها كانت كل منها في مناخها وظروفها وزمانها الخاص وكل صنفها حسب مبادئه فنجد أن الكثير من الكتاب والباحثين المهتمين بكيفية ممارسة عملية القيادة وبالتحديد مصادر وأبعاد القوة التنظيمية من خلال وسائل وأدوات التأثير التي يمكن أن يستخدمها القائد في التأثير على الأفراد وتعديل سلوكهم وأفعالهم.


مصادر قوة القائد
ومن الدراسات المشهورة في هذا المجال تلك التي قام بهاBertram Raven &John French  حيث حددا مصادر قوة القائد بخمسة مصادر أساسية يستند إليها القائد في التأثير على الآخرين وهي: قوة المكافأة قوة الإكراه القوة المشروعة قوة الخبرة قوة الشخصية أو الاقتداء والإعجاب والثقة وهي الأسس الخمسة الرئيسة للقوة الفردية حسب هذين العالمين وبمقدار ما يمتلك القائد من هذه المصادر يزداد تأثيره على الأفراد للامتثال إلى رغباته و توجيهاته والعمل على تحقيق أهداف المنظمة من خلال أفراده التابعين له بكفاءة وفاعلية بالإضافة للباحث أ. د. عاشور علي الذي أضاف سبعة مصادر أخرى تمثلت في: تحديد أهداف العمل جمع وتحليل المعلومات تحديد أساليب العمل تهيئة ظروف العمل تقديم النصح والمشورة إشراك الآخرين في الأمور التي تهمهم تحسين وتطوير دافعية العاملين.. 
أما Yukl فقد ميز بين إحدى عشر أداة ووسيلة للتأثير القيادي بعضها شخصية تتعلق بالقائد ذاته وبعضها رسمي وهي: المطلب المشروع قوة المنفعة(العائد) قوة القهر والإكراه الاستمالة القائمة على الرشد الإلهام وإلهاب الحماس تطوير أو تغيير القيم والاعتقادات تطويع القائد للمعلومات تطويع ظروف البيئة الإعجاب والانتماء الشخصي المشاركة في القرار حسب حسين حريم في كتابه السلوك التنظيمي.. سلوك الأفراد والجماعات في منظمات الأعمال .


جدلية مثيرة للاهتمام
ومن خلال ما تم تناوله في هذا المقال نستوجد جدلية مثيرة للاهتمام بين آراء وأفكار الباحثين حول مفهوم القوة بصفة عامة والقوة التنظيمية بصفة خاصة حيث نجد بداية الطرح تنطلق من الفكر الاجتماعي والسياسي وتنتهي بالفكر النفسي من خلال التناول العميق لجذور القوة وصولا إلى التخصص في مجال المنظمات التي أكدت على أحادية مفهوم القوة وتعدد مجالاته والتأكيد على إيجابية المصطلح التي تطغى على السلبية الشائعة.