البيِّض.. مدينة حافظت على الشخصية الوطنية وساهمت في ثورة التحرير

  • PDF

مراصد
إعداد:جـمال بوزيان

تحصينا لقيم الشعب الجزائري وتذكيرا بالتاريخ
البيِّض.. مدينة حافظت على الشخصية الوطنية وساهمت في ثورة التحرير

ترصد أخبار اليوم مقالات الكُتاب وقراءات نقدية في مجالات عديدة بهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر لأجل المتعة والمنفعة.

*****
شخصياتٌ مرّتْ بمدينة البيِّض Géryville في الزمن الاستدماري
أ‌. د. جلالي بومدين

البيِّضُ منطقة جزائرية لها قيمتها العظيمة في تاريخ الجهاد الجزائري كما لها وزنها الكبير في القيم الجليلة التي تأسس بها ومنها المجتمع الجزائري وهي مدينة عريقة لها أمجادها سابقا ولاحقا وهي إحدى ولايات القُطر الجزائر المترامي الأطراف.
لذا تراها موجودة بجلال وجمال في أخبار الإخباريين وقصائد الشعراء وتحقيقات الإعلاميين ومؤلفات الرحالين ومراسلات الإداريين والعسكريين ومعاينات الأنثروبولوجيين والمؤرخين ووقفات المستشرقين الباحثين عن بعض تميزها بحق وصدق وغير ذلك من اهتمامات العديد من الشخصيات البارزة التي كتبت عنها أو مرّتْ بها لأنها تستحق تقدير الكتابة وتقدير المرور برغم موقعها البعيد عن الطرق العادية التي مرّ بها الناس في أزمنتهم المختلفة وظروفهم المتعددة.
تقع هذه المدينة التي تأسست في منتصف القرن التاسع عشر فقط في الهضاب العليا الغربية الجزائرية وبالضبط في تلاقي السهوب بسلسلة الأطلس الصحراوي وهي جذابة بموروثها البدوي الرائع مشخّصاً في فروسيتها وكرمها ومختلف عاداتها القادمة من جذور مسارات أهلها وهي جميلة بانسجامها مع محيطها البيئي المنماز وتشاكلها الاجتماعي الممتاز وهي أنيقة ببساطتها المعقدة جدا ووضوحها الغامض جدا. 
ولعل هذه الأمور المتوازية المتقاطعة المتداخلة المتفاصلة معاً هي التي جعلت أفئدة من الناس تهوي إليها بإعجاب ومن هذا المنظور لقد ارتأيت أن أقترح عليكم بعض المشاهير الذين وصلوا إليها فكتبوا أو قالواعنها شيئاً ما أو تركوا في بعض سكّانها أثراً لا يُمحَى بين عشية وضحاها.
وإليكم الشخصيات المختارة بحسب تاريخ الزيارة: 
1 - القاص الفرنسي غي دي موباسان Guy de Maupassant ... كان ذلك في 1881... زار مدينة البيض مراسلا لصحيفة تسمّى الغولوا / Le Gaulois من أجل تغطية ثورة الشيخ بوعمامة وفق منظوره الموالي لدولته الاستدمارية… وقد نشر في الجريدة المذكورة ذات الطابع البورجوازي عدة مقالات عن منطقة البيض المتمردة عن الكولونيالية الفرنسية... مع الإشارة إلى أن هذه الصحيفة ظلت تصدر إلى غاية 1929 ثم اندمجت مع صحيفة لوفيغارو / Le Figaro .
2 -  الروائي الفرنسي صاحب روايات الخيال العلمي جول فارن Jules Verne ... كان ذلك في 1886 ... وقد عبَرَ منطقة البيض في منطاد هوائي يوم 8 جويلية وهو يحمل موقفا مساندا للاستدمار فوصف المدينة الصغيرة عصرذاك من منظر جوي كما وصف جبالها والقصور الجنوبية مثل استيتن والغاسول وبريزينة وهو في طريقه إلى الصحراء... وقد ذكر هذا في مؤلفه الاستثنائي:
روبور-الفاتح /  Robur - le- Conquérant 
3 - السادة خلفاء الطريقة التيجانية الصوفية الشيوخ الأفاضل: سيد البشير ثم سي علال ثم سي محمد الكبير ثم سي محمود ثم سي الطيب ... كان ذلك من 1896 إلى مابعد الثورة التحريرية في النصف الثاني من القرن 20 م ... وكانت الزيارات تقع دائما في شهر أكتوبر وهم في الطريق إلى بوسمغون وما جاورها بهدف اللقاء مع مريدي التيجانية في المنطقة كلها والمساهمة في تثبيت الناس على دينهم الذي حاربته فرنسا برؤيتها الصليبية للمجتمع الجزائري المسلم.
4 -  فضيلة الإمام المصلح العلامة الشيخ عبد الحميد بن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين... كان ذلك في 1933... وقد استقبله في المسجد العتيق الشيخ الإمام الحاج الطيب البداوي حسيني والشيخ الإمام الحاج بحوص بونوة... وحينذاك قال ابن باديس كلمته الشهيرة: ... عندما أرى هذه الجبال أشم رائحة البارود في إشارة منه إلى ثورات المنطقة ضد الاستدمار الفرنسي وترتب عن تلك الزيارة تأسيس فرع لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وقيام حركة إصلاحية واسعة ساهمت في المحافظة على الشخصية الوطنية وتحضير المجتمع المحلي للثورة التحريرية الكبرى. 
5 - فضيلة الإمام العلامة الشيخ الرفاعي خادم الحرم النبوي الشريف بالمدينة المنورة... كان ذلك في 1938... وقد مر ببدو في السهوب وهو في طريقه إلى البيض فأكرموه ولكنه رأى أن طهْي الشاي عندهم يحدث بإشعال النار في فضلات الغنم فتوجس خيفة من إمكانية تأثر الشاي برائحة الفضلات المحترقة حتى قال له أحدهم: .. أبداً لا يمكن أن يتأثّر الحُرُّ بالبرهوش (اللقيط) وحين لقائه بالناس في مسجد القوارير بقلب مدينة البيض أخبرهم بهذه القصة وربطها بتمسك الشعب الجزائري بدينه وهويته رغم ما ارتكبه الاستدمار الفرنسي البرهوش من جرائم في الجزائر المسلمة.
6 - الكاتب الفرنسي المسيحي روجي ديفولي Roger Duvollet ... كان ذلك من 1940 إلى 1945 ... وقد جاء إلى مدينة البيض مبشرا بدينه تحت الغطاء الاستدماري لإخراج المسلمين من دينهم – ولم يحقق أي نجاح في مهمته – كما جاء كاتبا مهتما بالطبيعة والأنثروبولوجيا وغيرهما... كان يجيد اللغة العربية وله مؤلفات عديدة باللغة الفرنسية تخص منطقة البيض وعموم الصحراء الجزائرية منها: شعاع شمس من الجزائر والصحراء / Rayon de soleil de l Algérie et du Sahara  .
7 - الزعيم مصالي الحاج مؤسس حزب الشعب الجزائري ثم حركة انتصار الحريات الديمقراطية... كان ذلك في 1947 ... وقد زار البيض مدينة ومنطقة – أين كان له أنصار كثُر من الوطنيين - مساندة لمرشحه الأستاذ باقي بوعلام في الانتخابات وتعميقا للنضال الوطني في الأوساط الشعبية الجزائرية التي قدمت ماعليها سنوات قليلة بعد ذلك حين قيام الثورة التحريرية المجيدة.
وتبقى قائمة الزوار مفتوحة لأن الإخباريات تُروَى مشافهة وكتابة مرور أسماء بارزة أخرى مثل المستشرقة الباحثة ماتيا غودْرِي والمستشرقة المبدعة إيزابيل إيبرْهارتْ وغيرهما من حملة الحرف في لغات عديدة واختصاصات متنوعة وهو ما يدعو مثقفي الحاضر والمستقبل -من أهل مدينة البيض ومحبيها خاصة- إلى الانطلاق في أبحاث واسعة خاصة بهذا الموضوع  وسواه بغية توسيع دائرة تاريخ المنطقة المدوّن أكاديميا. 


*****
قراءة نقدية حول المجموعة القصصية قبل أن أُصبِح في عِداد الموتى
الكاتبة لندة كامل أعادت للسرد حضوره وبريقه عبر دفقات شاعرية 
أ‌. د. محمد النصار
قبل أن أُصبِح في عِداد الموتى عنوان لافت لمجموعة قصصية للكاتبة الجزائرية ليندة كامل تقع في نحو من خمس وتسعين صفحة من القطع المتوسط وتحوي بين دفتيها ثمانية عشر قصة تناولت في مجملها أغراض ومضامين متنوعة من واقع حياتنا التي ونعيش والظواهر المستجدة والغربية على عالمنا العربي وثقافتنا الإسلامية بدءا من البطالة القاتلة والفراغ المدمر لشبابنا مرورا لكل ظواهر القمع التي يعانون منها وكانت سببا رئيسا في هجرة الكثيرين منهم والتضحية بحياتهم في سبيل الوصول إلى أماكن ظنوا أنها المنجاة من ذلك الواقع اللعين كذلك كان لربيع الشعوب نصيب من تلك القصص كما في قصة الحَراك .
وقصص أخرى تحدثت عن الخيانة الزوجية وأخرى عن زنا المحارم بلغة شفيفة وبلا إسفاف لا تهدف لإثارة الغرائز وإنما للإشارة إلى ظاهرة بدأت تظهر في المجتمعات العربية كما في قصة أنا وأبي بالإضافة للحديث عن بعض العادات الشائعة في مورثنا الشعبي كما في قصة الرقية وفي قصص أخرى تتناول بعض المسلكيات الهدامة والشائعة أيضا في مجتمعاتنا بلا استثناء والتي تنهش في أعراض الغير والنميمة بل واختلاق ما ليس في الشخص والتجني عليه كما في قصة قبل أن أصبح في عِداد الموتى التي تحمل المجموعة عنوانها.
هذه المجموعة صدرت عن مكتبة سمير منصور وفازت بالمرتبة الأولى للقصة القصيرة في المسابقة التي نظمتها المكتبة بالتعاون مع المركز الثقافي الفرنسي وكان لي الشرف في ترشيحها لذلك ولعل من أهم الأشياء التي دفعتني لذلك هو تميز المجموعة بتعدد مضامينها التي أشرت إلى بعضها آنفا وهي مضامين تدل على قدرة الكاتبة على التقاط زوايا رؤيا غاية في الأهمية والحساسية ومعالجتها فنيا وأدبيا بذائقة تنم عن موهبة مؤصلة وثقافة عالية وفهم ناضج لكثير من مشاكلنا وأسباب معاناتنا بالإضافة للغة الراقية التي وظفتها للتعبير عن رؤاها والغاية التي تريد الوصول إليها والتي تتميز بدفقات شاعرية عالية تعد من أهم عناصر القصة القصيرة مثل زارني صديقي وأنا اشتعل قلقا في قصة الرقية و ارتمت شفتاي إليه دون عناد في قصة الرابط المتعب و كلما أبحث عني أضيع في قصة في مكان آخر.
كذلك كان التناص الديني والأدبي حاضرا في أغلب القصص وهوما يدل على مدى ثقافة الكاتبة وسعة اطلاعها كم في يوم في حياة امرأة رفقا بالقوارير حيث تقول في وصف حال المرأة العاملة: .. وفي السباق حول لقمة العيش أصبحت القوارير تشبه آلات عديمة الحواس.. وفي قصة ذكريات امرأة تقول: .. هواء القلب يجري مجرى الدم في العروق من الوريد إلى الوريد.. كتناص مع الحديث الذي يتحدث عن الشيطان الذي يجري من الإنسان مجرى الدم.
كذلك تنوع التناول في الأسلوب الكتابي فمجمل القصص مالت إلى السرد التقليدي بالمكونات التي أشرت إليها سابقا وبعضه مال إلى الفنتازيا والغرائبية كما في قصص في مكان آخر وقصة من أنت؟ وقصة لأنك وحدك مختلف عنهم .
باختصار شديد ما أود قوله: أننا أمام كاتبة تدرك تماما ما القصة القصيرة؟ وما الأدوات التي تمكنها من الخوض في غمارها العميقة؟ إنها تمتلك اللغة والثقافة الواسعة للإبحار في هذا البحر اللجي بمقدرة وإتقان.. ولا أبالغ لو قلت إنها من قلة من الكتاب الذين استطاعوا أن يعيدوا للقصة القصيرة حضورها وبريقها الذي كان... هذا جزء من انطباعاتي ومما قلته في حق الكاتبة في الاحتفال الذي أقيم احتفاء بمجموعتها القصصية قبل أن أُصبِح في عِداد الموتى في مكتبة سمير منصور بفلسطين.


*****