الإسلام أول نظام تكافلي عرفته البشرية لتحقيق العدالة الاجتماعية

  • PDF

مراصد 
إعداد: جـمال بوزيان

أخبار اليوم ترصد آراء أساتذة حول التضامن الإنساني  
الإسلام أول نظام تكافلي عرفته البشرية لتحقيق العدالة الاجتماعية  

يختلف التضامن مع الأفراد والمجتمعات عبر التاريخ.. وقد تتنوع الطرق والوسائل من خلال مشروعات مثمرة وغيرها لكن الأهداف تظل واحدة ومحورها الرئيس خدمة الإنسان الذي كرمه الله جل وعلا في هذه المعمورة.. سألنا أساتذة عن رؤية النظام الإسلامي لحل مشكلات الفئات الهشة وكيف يُعالِج الفقر الذي أوجدته منظومات بعيدة عن العدالة الاجتماعية.

*****
التضامن والتكافل الاجتماعي.. رؤية إسلامية
أ. د. أحمد جاد

قضت مشيئة الله أن تتفاوت مقاديرنا في الدنيا ما بين غني وفقير ومستور الحال بين ذلك وذاك.. وقد حاول الأديان منذ القدم والإنسان بفلسفاته المتعددة ـ باجتهاد منه خلق تصور لعالم بلا مشكلات ولا طبقات اجتماعية يسيطر عليها الحقد والتنازع بدلا من التعاون والتكافل.
فكانت الجمهورية الأفلاطونية قبل عدة قرون من ميلاد المسيح عليه السلام والتي وضع فكرتها ونظرَّ لها ودعا إليها الفيلسوف اليوناني أفلاطون في فلسفته الشهيرة غير أنها ظلت مجرد محاولة محدودة لم يكتب لها التطبيق.
وكانت  حركة مزدك بامدادان الذي دعا إلى توزيع الثروات والممتلكات بين الناس بطريقة عادلة من وجهة نظره وهي حركة فارسية إباحية قديمة هادمة للقيم الإنسانية تحريضية فوضوية تقوم على الغريزة الجنسية اشتراكية في الأموال والنساء والأعراض وتقوم على مبدئين رئيسيين: الخير والشر والنور والظلام وقد حظيت بموافقة الشبان والأغنياء والمترفين الشواذ وناصرها وأيدها الملك الفارسي قباذ الأول (عام: 488 م) وبقيت هذه الديانة في عهده حتى انغمست الدولة الفارسية في الفوضى الخلقية وطغيان الشهوات والشذوذ فخلعه كسرى أنوشروان عن العرش الفارسي وأعاد الديانة الزرادشتية.
ثم ظهر النظام الاشتراكي في منتصف القرن العشرين والذي وضع أسس لمنظومة تعمل على خلق حالة من التضامن والتكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع فجعل ذلك النظام كل شيء ملكًا للدولة بحيث تصير هي المالك الأوحد ومن ثم تقوم برعاية أبنائها جميعا فلا غني فاحش الغنى ولا فقير مدقع الفقر.
غير أن هذه المحاولات لم تتمكن من إنجاز ما كانت تهدف إليه لأنها واجهت التطرف بتطرف أشد والانحراف بانحراف مقابل فطغت على حرية الأفراد في التملك والكسب والغنى مما نتج عنه انهيار في المنظومة الاجتماعية والاقتصادية جميعًا.
أما الإسلام فكانت طريقته في علاج مشكلة الفقر وتحقيق التضام والتكافل المجتمعي طريقة متفردة إذ وازن بين حرية الفرد في التملك ورغبته في ذلك اتساقًا مع الفطرة الإنسانية وبين حق المجتمع على الفرد.
لم يقدم الإسلام مسكنات لمشكلة الفقر والتباين الفج بين طبقات المجتمع كما فعلت المسيحية من ترغيب في الفقر وتزهيد للناس في المال والحياة تارة والادعاء بأن هذه الحياة لا قيمة لها ولا أهمية وبتقديم العظات والنصائح للمؤمنين بها حتى يعطفوا على الفقراء ويعطوهم مما أعطاهم الله.
لكنه اتخذ طريقًا مغايرًا يتسق وفطرة الله التي فطر الناس عليها فقرر أن الدنيا وإن كانت لا تساوي عند الله جناح بعوضة إلا أنه لا يمكن إهمالها لأنها الوسيلة إلى الآخرة فقال صلى الله عليه وسلم في موازنة لم يسبق إليها: اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت أبدًا .
كما وقف الإسلام وقفة الرافض لدعوات الترغيب في الفقر الادعاء بأن الفقراء أقرب إلى الله منزلة وأجدر بدخول الجنة من الأغنياء فلم يقل كما يدعي البعض كذبًا أن الله أوحى إلى أحد أنبيائه: إذا رأيت الفقر مقبلا فقل: مرحبًا بشعار الصالحين وإذا رأيت الغنى مقبلا فقل: ذنب عجلت عقوبته .
فأكد أنه لا ميزة للفقير على الغني إلا بالعمل الصالح بل قد يكون الغني أفضل عند الله من الفقير إذا أدى حق ما لديه من مال.
فأكد أن المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فإن لو تفتح عمل الشيطان .
يقول النبي صلى الله عليه وسلم لما سئل أي الكسب أطيب؟ قال: عمل الرجل بيده وكل بيع مبرور وقال عليه الصلاة والسلام: ما أكل أحد طعامًا خيرًا من أن يأكل من عمل يده وإن نبي الله داود كان يأكل من عمل يده عليه الصلاة والسلام.
وإن كانت الرأسمالية ترى أن الفقر مشكلة مجتمعية بلا شك لكن المتسبب الأول فيها هم الفقراء أنفسهم بعدم سعيهم واجتهادهم في العمل فإن الإسلام رأى أن للمجتمع دورا في علاج مشكلة الفقر هذه وعلى الأغنياء واجب يجب أن يقوموا به نحو الفقراء في مجتمعاتهم.
فواجه الإسلام القارونية الكانزة وحذر منها ومن عاقبتها في غير ما موضع فقال الله: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِي* وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلاَ تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلاَ تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِين* قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُون* فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظّ عَظِيم* فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَة يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِين}.
فإذا كان الإسلام قد فرض الزكاة على الأغنياء فأخذ من أموالهم وأعطى الفقراء إلا أنه حد حدودًا لتلك الزكاة فلم يبالغ في مقدارها كما تفعل الأنظمة الضريبية في المجتمعات الرأسمالية والتي قد تصل الضريبة فيها إلى 40 من الكسب.
كما أنه حث الفقراء على العمل والكسب من عملهم لأن اليد العليا خير من اليد السفلى ليس هذا فحسب بل ألزم الحاكم بتيسير سبل العمل لكل فرد في الرعية. 


*****
نتيجة للواقع الكئيب لحياة المسلمين والأفهام الخاطئة لبعض علمائهم 
استفحال الفقر.. ظاهرة يقاومها العدل العام


أ. سعاد عكوش