ضرورة استئناف الرسالة السماوية لإنقاذ الحضارة الإنسانية

  • PDF

إعداد: جـمال بوزيان
للخروج من تخلفنا الجلي والمتزايد 
ضرورة استئناف الرسالة السماوية لإنقاذ الحضارة الإنسانية

تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.

****
ما سبب بؤسنا الحضاري؟
أ. حميد لعدايسية

ما سبب بؤسنا الحضاري؟ إنها أكبر علامة استفهام مأساوية عشناها منذ التحقيب التاريخي الجائر الذي أخرجنا من وجودنا وأصبحنا نواجه كثيرا من التحديات الحضارية في مختلف ميادين الحياة ألتي ترجع في جوهرها إلى تحديين رئيسين: أولهما حفظ الإنسان بعد دلائل موت المعنى وفقد الوجهة وثانيهما حفظ الإيمان أي بالتجديد أو بالإحياء لأنه من الصعب أن لا يحفظ الإنسان والإيمان من الموت إلا أن نتكيف مع تقلبات كل منهما مع التحديات المستجدة في هذا العالم بحيث يبقي حيا وحيويا وبيان ذلك ما أكدته في إحدى الجداريات المنشورة أن الإنسان  تحول في هذا العالم الإلكتروني إلى آلة... وبذلك تحول إلى سلعة ثم تحول إلى معلومة وهذا ما عبر عنه شهيد البعث الحضاري سيد قطب في كتابه (الإسلام ومشكلات الحضارة) بـ(تدمير الإنسان) حيث يؤكد تحت هذا العنوان: (... فالحياة الإنسانية-بداهة- لا تستطيع أن تبقى إذا ما دمرت خصائص الإنسان ولا يخفى ما لهذا التدمير المبرمج بعد التحقيب التاريخي الجائر من الغرب من خفض الوجود الإنساني وتضييقه... وهذا ما يؤكده قطب في العنوان نفسه منذ أكثر من 60 سنة بقوله: (وخط الحياة الحالي يمضي يوما بعد يوم في تدمير خصائص الإنسان وتحويله إلى آلة من ناحية وإلى حيوان من ناحية أخرى... وإذا كان هذا الخط لم يصل الى نهايته بعد ...).
والسؤال الملح: كيف نخرج من بؤسنا الحضاري؟ وبمنطق حضاري هو إخراج الإنسان من وضع الآلة إلى وضع الآية المبنية على التكامل بين عناصر الوجود... ومن وضع الساعة إلى وضع الهبة المبنية على أحسن تقويم... ومن وضع المعلومة إلى وضع النفخة المبنية على الفطرة والحقيقة... تلك هي المقتضيات الوجودية والحضارية: آية وهبة ونفخة لكي نخرج من بؤسنا الحضاري ونستأنف الرسالة السماوية لإنقاذ الحضارة الإنسانية وهذا ما عبر عنه شهيد البعث الحضاري منذ أكثر من نصف قرن (المستقبل لهذا الدين).


*****


نظامنا التعليمي ومسايرة التطور التكنولوجي؟... الـ ChatGPT   أنموذجا


أ. م. رابح لكحل


من القضايا التي أجدها مهمة جدا وآسف لغيابها عن نظامنا التعليمي قدرته على مسايرة التطور التكنولوجي الخرافي المتسارع وحسن استعمال ما يوفره من وسائل ومعلومات كثيفة في مزاولة العملية التعليمية التعلمية فليس من العقل والمنطق أننا ما نزال نكتب بلغة التهديد والوعيد لتلاميذنا المقبلين على الامتحانات الرسمية أن الآلة الحاسبة ممنوعة ثم نعتقد أننا تطورنا..! فبعد ما كانت ممنوعة تماما حتى بدايات تسعينيات القرن الماضي ها هي الوصاية تساير التطور التكنولوجي الرهيب وتتكرم على طلبتنا بإمكانية استعمالهم للحاسبة البسيطة (التي يستعملها بمهارة أبسط تاجر في السوق) والظاهر أن مسؤولينا محكومون بالمثل الشعبي القائل: على راس صبيعتي ولا ننسى عادتي..! عند إضافتهم لشرط أن لا تكون مبرمجة ..! فبالإضافة إلى أن مصطلح حاسبة غير مبرمجة مصطلح فضفاض ولا يمكن التعرف بدقة عليها أثناء الاختبارات لتعدد أنواعها تبعا لكثرة صانعيها ولسهولة تمويهها أحببت أن أعلق فأقول:
١-لماذا يلجؤون آليا لاستعمال الرفض والمنع فقدراتهم على مسايرة التطورات وفهم الإشكاليات منعدم فيختفون وراء قرارات إدارية جافة لا علاقة لها بثقافة القيادة والتسيير فضلا عن العقلية التربوية البيداغوجية.
٢- هذه القرارات الأصل فيها أنها بيداغوجية أين يحتكم المسؤول التربوي (مسايرة للجو السائد) إلى نظرية حلول أخرى ويحل الإشكالات التي تطرح عليه بهذا المنطق (المنع قطع الطريق عرقلة ما يظنه تهديد قادم) مثله مثل أي مسؤول في أي قطاع آخر يواجه كل التحديات بالمسارعة إلى وضع المُمهِّلا ت (الدودان) كأول وأبسط حل سحري يُجيده قادتنا الأشاوس.
٣-مثل هاته الحلول تعطي إشارات واضحة للحدود والأهداف البسيطة (حتى لا أقول الساذجة) المنتظرة من منظومتنا التربوية.
1-بريطانيا وتقنية الـ الشات جي بي ثي : بالرغم من أن هذا البؤس الذي نعيشه مع منظومتنا التعليمية اعتدنا عليه بمنطق الألفة الغافلة إلا أن قرار بريطانيا بالسماح للتلاميذ (المتقدمين لاجتياز البكالوريا الدولية) بالاستعانة ببرنامج ChatGPT في مقالاتهم (وفق ما ذكرته صحيفة التايمز البريطانية يوم 27 فبراير 2023) أيقظني من غفلتي ونبهني إلى الكيفية التي يُساير بها العالم المتقدم الطفرة التكنولوجية وإلى سر مهم من أسرار تفوقهم.. ولمن لم يطلع بعد على الشات جي بي ثي الذي أحدث ثورة في عالم التكنولوجيا أخيرا نقول إنه برمجية من أحدث (أُطلق فقط في 30 نوفمبر 2022) وأشهر تطبيقات الذكاء الاصطناعي حاليا (حتى الآن بلغ مستخدموه أكثر من 100 مليون مما يجعله التطبيق الأسرع نموا على الإطلاق) متعدد الاستخدامات يسمح (بحسب الطلب) لمستعمله بـ: -شرح مفاهيم علمية معقدة أو كتابة ووضع برامج للحاسوب وتصحيحها.. -كتابة وتأليف قطع موسيقية مسرحيات وحكايات وحتى كتابة مقالات قصص وقصائد بأساليب مختلفة.. -تأليف النكث والإجابة على أسئلة الامتحانات.. إلخ من المهام والاستخدامات التي ستتطور أكثر فأكثر مع الوقت.. ولتقريب الصورة أكثر يمكن أن نقول إن الشات جي بي ثي هو نسخة مطورة (متقدمة جدا في خدماتها) لمحركات البحث المعروفة (مثل عمي قوقل ).   

2-الأفضل الحظر: 
سيقول كل من تشرب ثقافتنا النمطية (اعتاد اتخاذ موقف سلبي من كل جديد) أن السماح باستعمال هذه البرمجية المذهلة سيقتل الإبداع عند طالب العلم ويجعله أسيرا للآلة وما تقدمه تقنيات الذكاء الاصطناعي فأين شغف الدراسة.. وأين التفوق والإبداع..؟! والكل متاح له إحضار مقال يحرره التطبيق دون عناء ولا حاجة للاجتهاد أو محاولة الفهم والغريب ربما هذا ما فهمه الكثير من مسؤولي التعليم في دول كثيرة (بعض الولايات الأمريكية الصين الهند..) فسارعوا إلى حظره ومحاولة منع استعماله بخلاف بريطانيا التي سارت في التشجيع على استعماله فما الموقف الأمثل لنا من بينهما؟! لو نعود قليلا إلى زمن قريب نجد أننا جُبلْنا على الرفض الآلي لكل جديد بل والسعى لمحاربته ففي ثمانينيات القرن الماضي مثلا واجهت تقنية التلفاز بالصحن المقعر(البارابول) عند ظهورها تشكيكا ورفضا وحتى سوء ظن بمستعمليها حينذاك ومع الوقت زالت كل الحواجز وأصبح استعمالها عاديا وعلى أوسع نطاق (وها هي كتقنية في طريقها إلى الزوال) النظرة السلبية نفسها عرفها الإنترنت عند بدايات انتشاره ودخوله إلى بيوتنا وأذكر جيدا المناقشات الحادة حوله ومحاولة البعض توصيفه بأنه أداة فساد وإفساد والدعوة لرفضه وعلى المنوال عينه فُرض الإنترنت وأصبح أداة أساسية للعمل الدراسة التواصل وحتى التسلية وغيرها.. وبالعودة إلى أبعد من ذلك قليلا نجد أنهم كانوا يعتبرون أن من يستمع إلى الراديو(مع بدايات استعماله التجاري  في نهايات الأربعينيات) منحرفا وأفتى بعضهم بفسقه! ولا ننسى من جرم الهاتف ومن عطل نهضة الأمة بتأخير دخول الطابعة قرنين كاملين.. وغيرها من التقنيات والوسائل ثم يصبح المرفوض لاحقا جزء من واقعهم لا يمكنهم تجاوزه ولا الاستغناء عنه! وهذا ما أخشى تكراره مع تقنية الشات جي بي ثي .


3- الاستخدام بشكل أخلاقي:
أمام ظاهرة الغش في الامتحانات (الرسمية خاصة) وحتى في أيام الدراسة العادية نجد أن الوسيلة الأساسية التي يلجأ إليها الغشاشون من الطلبة هي الإنترنت ولأنهم يرون بعين عليها غبش يلجأون (كمن يحاول تغطية ضوء الشمس) إلى قطع الإنترنت أيام الامتحانات الرسمية (طُبق خاصة أيام حكم رمعون) فألحقوا أضرارا بالغة بمصالح الناس المختلفة وأعطوا صورة سلبية عن البلد.. دون أن يحققوا شيئا يذكر فلا الغش توقف ولا الإنترنت اختفى! وحتى تعامل الكثير من الأساتذة مع الأبحاث والمقالات ومختلف النشاطات التي يقدمها طلبتهم في الغالب سلبي ومبني على الرفض والتشكيك بحجة نقلها عن قوقل أو غيره والظاهر أن الكثير منهم يعتقد أن بإمكانهم وقف تمدد الإنترنت في حياتنا اليومية والمهنية! أمام هذا المسعى المستحيل أليس الأولى لو نفكر بطريقة عكسية فعوضاً عن محاولة الحظر (غير الممكنة أصلا!) لِمَ لا نستغل ما يوفره لنا التطور التكنولوجي المرعب لـ: -تسهيل الدراسة وإنجاز الأعمال والواجبات في أسرع وقت وبأقل التكاليف.. -منح طلبتنا ومدارسنا الإمكانيات اللازمة لاستغلال واستخدام الذكاء الاصطناعي بشكل أخلاقي وأحاول التدليل على هذا الخيار وفق المعالم والمعايير الآتية:
1- أول قاعدة نتفق عليها أن إمكانية استفادة أو استعانة الطلبة بما توفره تطبيقات الذكاء الاصطناعي ( الشات جي بي ثي وغيره) لا تعني بأي حال من الأحوال القبول بادعائهم أنها من إنتاجهم.. فالفرق واضح بين تقديم عمل أصلي وآخر يوظف فيه الطالب أفكار ونصوص لأشخاص آخرين كما يحدث مع أي اقتباس فلا بد من تسجيلها (في متن النص أو الإشارة إليها في قائمة المراجع).
2- الأجدر بنا أن لا نخاف من مثل هذا البرنامج أو غيره لأن ثورة الذكاء الاصطناعي: - نعايشها كحقيقة واقعة ولا مفر منها.. -تمثل فرصة استثنائية للانتقال بمستوى منظومتنا التعليمية بسلاسة ويسر إلى المستويات الأعلى للمعرفة.. فإذا كنا عاجزين عن الخروج من أدنى مستوياتها (التذكر والفهم) رغم إعلان النية (على استحياء) للوصول إلى مستوى التطبيق (تدريب الطالب على استغلال المفاهيم المجردة التي حفظها وأستوعبها للإجابة على وضعيات جديدة) فإن حسن فهمنا للثورة الرابعة وحسن الاستفادة منها سيرفعنا إلى مستوياتها الأعلى (القدرة على التحليل فالتقويم ولِمَ لا الابتكار) بأسرع وقت.
3- أكيد مع استعمال مثل هذا البرنامج الجديد ستفقد الأعمال والنشاطات المدرسية الحالية أهميتها فمثلا ما نحشو به كراريس أبناءنا تحت عنوان مصطلحات وشخصيات في مادتي التاريخ والجغرافيا ونشغل به ثلثي أوقاتهم في حفظها تصبح لا معنى لها... والشيء نفسه يصبح ما نعتقد أنه ملمح معبر عن نجاحنا في تدريس الرياضيات عند ما نُحّفظ الطالب خطوات دراسة دالة ويرسم منحناها.. لم يعد شيئا مذكورا لأن الآلة تقوم بذلك في أقل من ثانية وكذلك كتابة المقال بأنواعه تفقد أهميتها والأمثلة لا تنتهي ونجدها في مختلف التخصصات.. هنا يظهر الإبداع الحقيقي وقوة الإنسان بحيث:
-لنتفق أنه حتى يتمكن التطبيق من القيام بأي نشاط بلمسة زر فمن الضروري أن يتقن مستعمله من طلبتنا مهارات مختلفة ومتجددة.. يحتاج أن نكونهم عليها.
-بتجاوزنا لمستويي الحفظ والاستيعاب نصل بالطالب إلى المستويات الأعلى بأن ندربه مثلا على توظيف الشخصيات والمصطلحات في تحليل حقبة أو منطقة استغلال منحنى الدالة لفهم الظاهرة المراد دراستها (مثل منحنى إصابات كورونا الذي سمح للمختصين بتحديد فترة الذروة والاستعداد لها) تقويم المقال وتحديد إن كان جيدا (متحيزا؟ أغفل سياقا ما؟ فيه إبداع؟).. فمثل هذه المهارات وغيرها ستكون أهم بكثير من النشاطات التي نصر ونعض عليها حاليا ومن هنا كان من الضروري أن نغير مهام التقييم والتقويم التي نعمل بها حاليا.


4-المحصلة: ما يعنيه الذكاء الاصطناعي على المدى الطويل هو أننا سنقضي وقتاً أقل في حشو عقول طلبتنا بمعلومات يحصلون عليها بكبسة زر مقابل وقت أكبر في فهم المشكلات وصفها وتحليلها ثم الوصول إلى القدرة على الحكم عليها وتطويرها.. وهذا شيء علينا أن نسعى إليه وليس حظره ومحاربته.