قِطاف من بساتين الشعر العربي

  • PDF

مراصد ثقافية
إعداد: جمال بوزيان

أخبار اليوم ترصد الإبداع الأدبي
قِطاف من بساتين الشعر العربي

ترصد أخبار اليوم قصائد الشعراء وتنشرها توثيقا لإبداعاتهم وتكريما لأصحابها وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها بأدواتهم وليتعلم الـمبتدئون منهم وأيضا لاطلاع القراء الكرام على ما تجود بها قرائحهم. 

*****
غرفة
الشاعر عمار البكري – سوريا

ليس العمريّة التي أخبرتكم عنها إنما هذه غرفةٌ أغرفُها من حوضِ أمير المؤمنين عمرَ بن الخطاب

عُج بالسّلامِ بخيرِ الخلقِ مُبتدِأ
وقِف.. فثَنِّ بمَن في جنبهِ هنِئَ

واخصُص أبا حَفصَ متراع القُلوبِ هُدىً
وباعثاً رهباً أركانَها ملأَ

قِف بالفتى القُرشيِّ الثّبتِ من مُضر
مُبلي اللئامِ إذا في فِكرهِم طرَأَ..


ذي القوّةِ الجلدِ.. لا ينفكُّ آخذَ مَن
عليهمُ مع سواهُ الموتُ ما اجتَرَأ


فكّاك كلّ عُضال غير ملتبس
عليهِ ما غيرُهُ من بعضهِ صبَأ


ومجمعِ الحمدِ ممّا قد يكونُ وما
قد كانَ منّا.. وما مِن آدم بدَأَ


وآية اللّهِ في الأقوامِ من رجُل
يشدو الزّمانُ بهِ ما قد دنا ونأَى


حُيّيتَ من حسناتِ الدّهرِ أحسنَها
ومن تعاويذِ درءِ السّوءِ ما درَأَ


إنّ امرَأً جازَ في مُلك لهُ سلب
وعادَ من دائن في الثّوبِ مُختبِئَ


أضحى يدورُ على دار لهُ وقعَت
فخَرّ مِن سغب أحشاءهُ هَرَأ


وباتَ قد طمسَ التّبريحُ أعيُنهُ
إذ الرّدى طاغياً في أهلهِ نشَأ


نجا وربّ أبي حفص وصُحبتهِ
فإنّهُ بعضَ رُزئي فيكَ.. ما رُزِئَ


غالَت بكَ الأرضُ أكبادَ العبادِ.. وما
طوتكَ إلا وريحُ الأمنِ قد هدَأَ


يا باخساً غير دينِ اللهِ ما شرعوا
إبليسُ مُذ كنتَ في الإسلامِ ما هنِئَ


وقادحَ العدلِ والأقوامُ تائهةٌ
ورائياً في ثيابِ الدّهرِ ما اختَبَأ


كم سائل عنكَ.. قلتُ اسمَع مقالَ أخي
صدق بمَن بهِ شخصُ الظّلمِ قد فُجِئَ


إذا رأيتَ الرّياحَ الهوجَ ساكنةً
والأرضَ خاشعةً والشرّ منطفِئَ


والشّمسَ كاسفةً والناسَ راجفةً
والأُسدَ واجفةً والطّيرَ مُختَبِئَ


فاعلَم بأنّ فتىً في الأرضِ ذا شرف
وهمّة .. نسبَ الفاروقِ قد قرأَ


فتىً يجدّدُ ما الأيامُ مبليةٌ
في الحرِّ من همم إن دهرهُ هرَأَ


فتىً أشادَ وأفنى واعتَرى وشَفى
أقامَ قائمةَ الأزمانِ.. واتّكأَ


وترٌ نمتهُ قريشٌ في مكارِمها
واللهُ قبلُ أراهُ مجدهُ فرأَى


أمراً من اللهِ مقضيّاً جريتَ ولم
يُسرع لضرّ .. ولا عن منفع بطُؤَ


هل في سواكَ أرى فخراً لقافية !
أردانيَ الموتُ إن أخطِئ كذا خطأَ


إن فاتَني العهدُ فاعلَم في الورى رجلاً
بما تحبُّ يماشي الدّهرَ ما فتِئَ


فإن نأيتُ فإن الرّمحَ يحمدهُ
راميهِ إن أقصدَ الآمالَ حينَ نأى


فسلنيَ اليوم عما كانَ من سقمِ الـ
ـدنيا.. أحدّثكَ عن قول بهِ برُؤَ


تصرّفُ النوب في هذا الوَرى.. وأرى
بغيرِ حُسّادهِ التنغيص ما عبَأَ


قيلَ الرّوافضُ فاغتاظوا فقُلتُ: نعم
هُم شيعةٌ.. إذ أُشيعوا في الخنا نبأَ


خرجتُمُ للورى من كلّ مخزية
فمُنتهى كلّ عار منكُمُ بدأَ..


يا قَد خلَت أمَمٌ ضلّت ومِن سفه
ما أنقصَ الدّهرُ منها.. فيكُمُ ملأَ


خانوا الحُسينَ وخانوا اللهَ وانتَحَبوا
وَيلُمّهِ الدّهر من قوم إذا هزِئَ (:


يا باكياً عينهُ إنّي سلمتُ وأنتَ
مَن بكى وشكى وهناً ومَن فقأَ


غير السلامةِ تجني في الخطوبِ إذا
قارعتهنّ برأي حدّهُ صدُؤَ


من يظلمِ النّفسَ تظلِمهُ العبادُ.. ومَن
يجفُ السحائِبَ يوماً يدركِ الظمَأَ


بدأتَ بالبُغضِ مَن ودَّ الإلهُ.. ولا
يطيبُ خاتمةً ما ساءَ مُبتَدَأَ


إن تطلبوا بالبُكى درءاً لغدركُم
فإن للهِ ثأراً ليسَ مدّرِئَ


مَن كنتمُ قومَهُ لاقى المخازيَ.. بل
مشى لها بل دنا بل طاحَ بل وُطِئَ


ولا أصيبُ بكُم ذنباً بهجويَ إذ
علمتُ ربّكمُ من مثلكُم برِئَ


وجدّة أخلقَت في ذي الفقارِ فقد
رأيتهُ إذ تغنّيتُم بهِ ردُؤَ


تستعجلونَ إلى بغضاءِ ذي لهب
عليّ لولاهُ لا واللهِ ما دفِئَ


فهل أقام عليّاً غير قائمهِ
أم الحُسين سوى في فضلهِ نشَأَ


كانَ المسوّدَ رغماً عن نفوسكُمُ
وحبلُ صبركمُ مذ كان مهترئَ


نعَم هو الدهرُ في لين وفي شرس
يا نسلَ من بهمُ ثانيهما بدأَ


سُقتُم وساقَ إليكمُ سائقٌ حطمٌ
للّهِ ما ساقهُ فيكُم وما نسَأَ


قوافياً بكرةً تسمو سناسنُها
أرتعتُهُنَّ وأمسى عرضُكُم كلَأَ


زيافةً قد تؤودُ الرائحينَ بها
يخشى أبو الجنّ من أنبائِها نبَأ


ذاقَ المنونَ حميداً من أقامَ وقد
ذاقَ المنونَ حقيراً من لكم لجأَ


إن ترجِعوا..فبهٰذي كنتُ منذركم
أو تصمتوا فلقَد أطعمتكُم حمأَ


ما كانَ قوليَ جرحاً في قلوبكمُ
بل كانَ ما جُرحهُ في قلبكُم نكَأَ. 


*****
مقبرة الضمائر
الشاعرة الدكتورة أحلام الحَسن – البحرين




يا إلٰهي لي رجاءٌ فاستَجِب
دائمٌ خوفيَ منهُ والعِلَلْ *


من بقايا ما ابتلينا نَختَضِب
يا دليلًا للحَيارى ما العملْ 


نَزفُ آه من جُحود أُبرِما 
يا إلٰهي أين مفتاحُ الهنا؟


أكثروا فينا الخطايا مَعلَما
كم ضمير في مزاد كُفّنا؟


أصبحَ الجائرُ فينا مُكرَما
عاريَ العوراتِ يمضي أزمُنا


إن دعاكَ القلبُ ربّي لم يخِب
في حياة عافها شذو الأمَلْ 


فسفينُ الحالِ يبدو مُضطَرِبْ
جمدَ البحرُ جليدًا بالكُتلْ


كُلّما دارت عيونٌ أُفحِمَتْ
من دخان مُعتمِ الحالِ أشِرْ 


عن يمين أو شمال أُحكِمَتْ
ليس مِن روح بهِ لا يَنزَجرْ


غادرَ العقلُ قلوبًا أُقحِمَت 
في احتيالِ النّفسِ مثلَ المُنشطرْ


كلُّ جُرم فيهِ جُرحٌ لم يَطِب 
لم يعد ينفعُ نُصحٌ لا خَجَلْ 


نشفَ الرّيقُ وقد كان رطِبْ 
من كلام كلّهُ كان دجلْ


باعَ فينا كالعبيدِ واشترى 
في رهان خاسر لِلمُرتَهَنْ 


طَمسُ حقّ في لجيج لا يُرى
دونَ قيد أو شروط أو ثمن! 


كظلامِ الليلِ أمسَى أو سرى 
كَثُرت فيهِ العيوبُ والوهنْ


صالَ فينا مِثلَ فأسِ المُحتطِبْ
دائمُ الوَيلاتِ ماض بالعَجَلْ


فمتى يَصحُ الضّميرُ نَستَتِب
ومتى تَصفُ النّفوسُ تُكتَمَل




يا وليُّ الأمرِ قد ماجت بنا
سفنُ الغيثِ وقد ضاعت أُمَمْ 


نحنُ من أدمى بسيف بعضنا 
شَيّدَ الرّينُ عَمارًا واحتكمْ 


وسطَ لهو في سبات ديننا 
ككسير العظمِ يبكي من ألمْ 


مَن يرد للعُمرِ خيرًا يَكتَسِب
فضعيفُ النّفسِ يمضي في جَللْ


خادمُ القومِ الغريبُ المُغتَرِبْ 
يَحملُ الفيءَ بعيدًا لزُحَلْ 


لا تلمني لو بكى حالي الزّمَن
سالبُ الحقّ ِالأمينُ المؤتَمَن 


يا وليُّ الأمرِ قد ماجت بنا
سفنُ الغيثِ وقد ضاعت أُمَمْ 


نحنُ من أدمى بسيف بعضنا 
شَيّدَ الرّينُ عَمارًا واحتكمْ.


*****


في رحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم)
الشاعر خالد عبدلي – الـجزائر


أَنَاعِيَةَ الطُّلُولِ لَكِ المَزَارُ    بِجِسْم كالطُلُولِ وفِيْهِ نَارُ
تٌسَعَّرُ نَارُ شَوق فِيْهِ حَتَّى       يُعَوِّضَ كُحْلَ عَيْنَيْهِ احْمِرَارُ
وتَغْدُو مُقْلَتَا الْعَيْنَيْنِ سَيْلاً        ودَمْعُ الْعَيْنِ يَرْفُقُهُ ازْوِرَارُ
يَشُقُ الدَّمْعُ خَدَّ الصَّبِ شَقًّا         كَمَا شُقَّتْ لِفُرْقَتِهِ الدِّيارُ
وشَوْقِيْ إِنْ يَزِيدُ لَهُ فَإِنِّي     بِقَدْرِ الشَّوْقِ يَحْمِلُنِيْ اعْتِذَارُ
وعُذْرِيْ أَنْ أَصَابَ الْقَلْبَ حُزْنٌ وقَلْبِيْ لَيْسَ يَشْفيهِ اصْطِبارُ
ومَالِيْ بِالْعُيُونِ إِذَا تَبَاكَتْ              أَزُورُ بِهَا ثَرَاكَ ولا أُزَارُ
فَرَاء في الْمَنَامِ رَآكَ فَجْرًا      كَمَنْ سِيْقَتْ لِمَجْلِسِهِ الثِّمَارُ
أمنِّي النفس أن ألقاك يوما  وقد يمتدُّ في حلمي انتظار
وكَيْفَ تَرَاكَ عُيُونٌ في مَنَام   تَشَعَّبَ في خُطَاكَ بِهَا المَسَارُ
تُقَصِّرُ في اتِّبَاعِ الْحَقِّ حَتَّى        تَحُلَّ بِهَا المَهَانَةُ والدَّمَارُ
يُغَالِبُ في الحياة المرءُ نفساً       فتُثْقِلُهُ الْخُصُومَةُ والشِّجار
فَإِمَّا أن يتوبَ المرءُ حقًّا            وإِلاَّ ليس ينجيه اعتذارُ
يَغَارُ الْمَرْءُ مِمَّنْ حَازَ عِلْمًا              وجَاهًا أو لِمَال قَدْ يَغَارُ
وغَيْرِيْ زَاهِدٌ كَالصَّخْرِ يَحْيَا          وإِنِّي مِنْ ثَرَى قَبْر أَغَارُ
يَضُمُّ الْقَبْرُ خَيْرَ النَّاسِ طُرًّا    وخَيْرُ النَّاسِ مَنْ بِهُدَاهُ سَارُوا
رسولٌ كان للأمجاد فخرًا        لنا من طيبِ سيرتهِ شِعَارُ
لنَا في بَحْرنا مدٌّ وجزرٌ               وبحرهُ لا يقلِّله انحسار
يَفيضُ على البَرايَا بالعطايا           وقارٌ كان يَعْلُوهُ الوقارُ
نَهَارِي ذِكْرَيَاتٌ فِيْهِ تَذْكُو         وبَعْدَ الْحَرْقِ في لَيْلِيْ تُدَارُ
كَأَنَّ الْعَقْلَ يَمْضَغُهَا نَهَارًا           ولَيْلِيْ في تَذَكُّرِهَا اجْتِرَارُ
هَجَرْتُ النِّظْمَ قَبْلَ الْيَومَ كُرْهًا   وشِعْرِي في رِحَابِكَ يُسْتَثَارُ
وشِعْرِيْ إِنْ ذُكِرْتَ بِهِ فَمَدْحٌ        لِشِعْرِي واعْتِزَازٌ وافْتِخَارٌ
فَشِعْرٌ دُونَ مَدْح فِيْكَ لَغْوٌ           وكُلُّ غِنًى بِدُونِكُمُ افْتِقَارُ
ونَصْرٌ دُونَ نَصْر مِنْكَ يَخْبُوْ    وذِكْرُكَ فِيْ حُرُوف لَنْتِصَارُ
فَلَيْتَ الشِّعْرَ يُنْصِفُنِيْ لِأُبْديْ      جَمَالًا لَيْسَ يَكْفِيْهِ اقْتِدَارُ
ولَسْتُ أُقَزِّمُ الشِّعْرَ المُقَفَّىْ          ولَكِنْ أنت لِشِّعرِ اخْتِبَارُ
فَلَو مُزِجَتْ بُحُورُ الشِّعْرِ  يَومًا ومُخِّضَتِ الْقَوَافِي والبِحارُ
وَلَوْ جُمِعَتْ جُيُوشُ مِنْ مَعَاْن    لِوَصْفِ جَمَالِ وَجْهِكَ لْاسْتَدَارُ.
*****