كفاح الشعب الجزائري يظل شامة في تاريخ التحرّر العالمي

  • PDF


مراصد
إعداد:جـمال بوزيان


حتى لا ننسى دموية المستدمر الفرنسي
كفاح الشعب الجزائري يظل شامة في تاريخ التحرّر العالمي


تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِهابِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.


*****
مجازر 8 ماي 1945 الفرنسية.. جرائم تأبى النسيان
أ‌. د. سامية بن فاطمة
الجزء الأول


اليوم الوطني للذاكرة الذكرى الـ78 للجرائم الدموية الفرنسية في حق الشعب الجزائري إن التاريخ يشهد على الماضي والحاضر وما يمكن أن يكون عليه المستقبل والجزائريون لم ينسوا ولا يمكن أن ينسوا تاريخ هذا الوطن وتاريخ تضحيات شعبه إنه تاريخ مشرف ننقله لأبنائنا بكل فخر واعتزاز تضحيات صادقة لشعب أثبت للعالم أن ليل الاستدمار الطويل لا بد أن يتبعه فجر الحرية وأن الشعوب إذا ارادت فإنها تستطيع.
نستذكر اليوم 8 ماي 2023م ذكرى الثامن ماي 1945م لنخلد تاريخ قوافل الشهداء شهداء بلغ عددهم 45 ألف جزائري شهيد وحتى لا ننسى دموية المستدمر الفرنسي من واجبنا تذكير أبناء الجزائر الحرة المستقلة بقيمة الحرية التي ننعم بها اليوم لنقف على معاني التضحيات الحقيقية من أجل الوطن لنستخلص جميعا العبر والدروس إنه لا تاريخ لشعب ولا مكانة له إلا بتاريخهوتضحياته ورموز كفاحه الوطني إنها الجزائر العظيمة... وشعبها الحر الثائر.


مقدمة:
إن حقيقة ما وقع يوم الثامن ماي من سنة 1945م هو خروج الجزائريين في مظاهرات سلمية سرعان ما تحولت إلى مجازر دموية حصدت خلالها الكثير من الأرواح الجزائرية البريئة في الوقت الذي حاولت فرنسا اعتبار تلك المظاهرات بمثابة العصيان الذي وجب قمعه لإعادة النظام لتكون بذلك الجريمة المرتكبة في حق الشعب الجزائري بتاريخ 8 ماي 1945م هي واحدة من أبشع الجرائم التي تضاف للسجل الأسود للجرائم الفرنسية في الجزائر بالنظر للحصيلة البشرية الثقيلة التي وصلت 45 ألف جزائري شهيد وقد شمل القمع الفرنسي عدة مدن جزائرية غير أنه كان أكثر دموية في كل من سطيف وقالمة وخراطة ببجاية حيث اتفقت كل القوات الفرنسية البرية منها والجوية واللفيف الأجنبي حتى المدمرون ساهموا في قتل الجزائريين فكان المشهد مريعا تغلب عليه مناظر الإبادة الجماعية والحرق والتعذيب من قبل القوات الفرنسية إذن فالعنف الهمجي الذي وقع وتسخير فرنسا لكل قواتها لقنبلة شعب أعزل يبين بوضوح أنها غير مستعدة للتنازل عن الجزائر..فما مدى نجاح فرنسا في إسكات صوت الجزائريين المطالب بالحرية والاستقلال من خلال ارتكابها لمجازر الثامن ماي 1945 م؟ 


الأوضاع السياسية في الجزائر قبيل مجازر الثامن ماي 1945م
عملت سلطة الاحتلال الفرنسي على رصد تحركات مختلف تيارات الحركة الوطنية الجزائرية فلم تغب عن ناظرها باعتبارها تمثل الخطر الأكبر الذي يهددها خاصة في حالة تحقيق اتحاد في ما بينها. وهو الاتحاد الذي وقع فعلا في شهر مارس من عام 1944م بمدينة سطيف حيث قام السيد فرحات عباس باتخاذ مبادرة تكوين الحركة السياسية المسماة أحباب البيان والحرية وأعد قوانينها وسعى إلى إقناع زعماء المنظمات الرئيسة ويبدو أن التجربة التي عاشها فرحات عباس ضمن الجيش الفرنسي بينت له حقيقة التفرقة العنصرية التي تمارسها فرنسا هناك فعاد إلى الجزائر حاملا معه تطلعات أكبر للجزائريين لتكون بذلك مدينة سطيف السباقة لاحتضان ميلاد الحركة الجديدة التي انضم لها أعضاء من النواب والنخبة والطلبة الكشافة وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب الشعب الجزائري وعليه صارت الحركة عبارة عن جبهة مكونة من متحالفين أكثر منها حزبا سياسيا حيث بلغ عدد المنخرطين بها وخلال فترة وجيزة حوالي 50 ألف منخرط وكان السيد فرحات عباس هو الأمين العام للحركة والمسؤول السياسي على صحيفة المساواة الأسبوعية التي كانت تصدر بالفرنسية معبرة عن مبادئ الحركة الجديدة.
وفي النقاش الذي جمع كلا من السيدين فرحات عباس و الحاج مصالي في سطيف حول الحالة السياسية الداخلية والخارجية يظهر أن الرجلين كانا متفقين في الهدف ومختلفين في خطة العمل فالحاج مصالي كان يرى أنه لا أمل في تحرير الجزائر إلا عن طريق الثورة لأن فرنسا لا يمكن أن ترضخ للضغط السياسي وحده بينما كان فرحات عباس يرى أن فرنسا الديمقراطية قادرة على تفهم روح ما بعد الحرب العالمية الثانية وبالتالي ستكون مستعدة للاستجابة لمطلب الوطنيين الجزائريين يظهر أن الحاج مصالي وافق على المحاولة التي طرحها فرحات عباس وأن يدخل أعضاء حزبه في حركة أحباب البيان والحرية على أن يحتفظ حزب الشعب الجزائري لنفسه بحرية الحركة والتنظيم الثوري وتفجير الثورة عندما يكون الوقت مناسبا أي أن الحركة الجديدةصارت غطاء لأعمال حزب الشعب الجزائري .
يبدو أن الشعب الجزائري بأكمله كان ضمن تنظيم أحباب البيان والحرية ومحضرا من قبل المنظمتين اللتين وجهتا نشاطه نحو الوجهة الوطنية فالأولى هي جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في إطار إحياء الإسلام واللغة العربية والثانية هي حزب الشعب الجزائري في إطار الوطنية الثورية.
ولما كانت السلطة الفرنسية عاجزة عن مواجهة حركة أحباب البيان والحرية فإنها عمدت إلى إعادة الحاج مصالي إلى السجن في بوغار بالمدية-بعد أن خففت عنه- وذلك بتاريخ 18أفريل 1945م ما أثار موجة سخط وقيام مظاهرات لصالح إطلاق سراحه سواء من أعضاء حزبه أو من أعضاء الحركة الجديدة وبدل إطلاق سراحه نقل إلى قصر الشلالة ثم إلى المنيعة في أعماق الصحراء ومنها إلى برازافيل بالكونغو في أفريقيا. 
وتجدر الإشارة إلى أن مختلف المنشورات والصحف السرية ساهمت في زيادة التوتر حيث باتت حيطان الجزائر لافتات عملاقة يقرأها الصغير والكبير مما جاء فيها: (ليس في الدنيا ما يمكن أن يحول الإنسان العربي إلى إنسان فرنسي) (كلنا فداء الجزائر) (أطلقوا سراح مصالي) وقد أصدر حزب الشعب الجزائري صحيفتين إحداهما بالعربية (الجزائر الحرة) والأخرى بالفرنسية (L actionAlgérienne) صعدت من تعبئة الجماهير وقد سارت وفق سرية تامة حتى أن السلطات الفرنسية لم تنجح في العثور على مكان طباعتها ومقر اجتماعها.


أحداث الفاتح ماي 1945م وانعكاساتها:
قررت اللجنة المديرة لـ حزب الشعب الجزائري المنحل تنظيم مظاهرات شعبية بمناسبة الاحتفال بعيد العمال هذا القرار تم اتخاذه عشية الفاتح من ماي نفسه لتوجه بذلك تعليماتها في تلك الليلة إلى كافة الهيئات الحزبية هدفها إعطاء دلالة على نفوذها المحكم في أوساط الجماهير الشعبية وأنها محل ثقة الشعب الجزائري الذي تتحدث باسمه وتعمل على تحريره فعمت المظاهرات كل مدن الجزائر وكانت في أغلبها سلمية وهادئة.
علما أن قيادة حزب الشعب الجزائري لم تكن تريد المشاركة في الاحتفالات فقط بل إنها سطرت لذلك أهدافا فهي تريد توظيف المناسبة لاختبار مدى قدرتها على تعبئة الجماهير وتجنيدها ومعرفة إلى أي حد تستطيع هذه الأخيرة أن تسير وراءها بكل الثقة التي لابد منها لنجاح المشاريع الحيوية وكذلك إثبات التفاف أغلبية الشعب حول الحركة الاستقلالية في نضالها كما أن القيادة السرية للحزب سهرت على أن تكون المظاهرات التي تنظمها مغايرة شكلا ومضمونا عن تلك التي تعودت النقابات تنظيمها بتلك المناسبة.. وتجدر الإشارة إلى أن هذه المظاهرات اتخذت شكلا عنيفا في عدة مدن كمدينة الجزائر وبجاية وبسكرة ادعى الفرنسيون على إثرها أنهم اكتشفوا عندئذ مشروع ثورة في بجاية وبالفعل كانت المظاهرات المنظمة من طرف حزب الشعب الجزائري مميزة عن تلك التي نظمتها التشكيلات السياسية الأخرى فشارك فيها عشرات الآلاف من المتظاهرين عبر كامل المدن الجزائرية تحت شعارات معادية لقرار 7 مارس1944م وتنادي بإطلاق سراح الحاج مصالي والهتاف بحياة الجزائر المستقلة وسقوط الاستدمار وبحق الجزائر في تقرير مصيرها بنفسها وإقامة المؤسسات الوطنية المستقلة إذ رغم أن قيادة الحزب السرية احترمت المطالب العادية التي ينادي بها العمال في مثل هذه المناسبة فقد قررت رفع هذه الشعارات الوطنية ولتأخذ تلك الشعارات وزنا وقيمة أعظم كان لابد من رفع الأعلام الوطنية التي صدرت أوامر صارمة بحمايتها وحماية رافعيها بل والاستماتة في الدفاع عنها.
كانت نتائج يوم الفاتح ماي أن قتل في مدينة الجزائر شرطيان وجرح ثلاثة عشر في حين جرح اثنان في منطقة بجاية كما اقتيد عدد من المتظاهرين إلى السجن وجرح آخرون منهم وهكذا كان الجو عاصفا منذ الفاتح من ماي وهو اليوم الذي اجتمعت فيه مناسبتان كبيرتان هما عيد العمال وعيد الحرية الذي لم يعلن بعد عن الاحتفال به رسميا وفي ذات الوقت قامت سلطة الاحتلال بحملة اعتقالات واسعة احتجزت على إثرها القادة البارزين لحزب الشعب ليضطر العديد من المسؤولين اللجوء إلى السرية كما كان على عناصر أحباب البيان و الحرية الذين أقحموا رغم إرادتهم في مظاهرات الفاتح ماي 1945م توضيح موقفهم في ظل مناورات الإدارة إذ بعد المظاهرات ذهب الأمين العام لولاية الجزائر ليرى فرحات عباس وصرح له: ... نحن نعلم أنكم لستم من فعل هذا لكن الجزائريين الذين قتلوا وجرحوا كانوا يحملون بطاقات أحباب البيان والحرية وعلى هذا فإنكم أنتم المسؤولون... . 
وفي يوم الخامس من الشهر نفسه تم التصويت من طرف اللجنة المركزية لأحباب البيان والحرية على مذكرة احتجاج ضد الإجراءات التي اتخذتها الشرطة في الفاتح ماي كما احتج الزعماء وأكدوا عدم مشاركة الأحباب في تنظيم المواكب.
يبدو أن يوم الفاتح ماي كان اختبارا حقيقيا جاءت نتيجته إيجابية من خلال إثباته أن الجماهير الشعبية الجزائرية مستعدة لتقديم تضحيات قصوى وإتباع الحركة الوطنية في طريق النضال بجميع الوسائل من أجل استرجاع السيادة الوطنية أما للأوربيين فان الفاتح ماي هو يوم رعب لأنه يمثل تعبيرا قويا على المستوى العالي من النضج السياسي الذي وصلت إليه أغلبية الجماهير الشعبية الجزائرية.


تحول المظاهرات السلمية يوم الثامن ماي 1945م إلى مجازر دموية رهيبة:
كانت بداية الاحتفالات رسميا في السابع من ماي حيث أعلن الحلفاء نهاية الحرب وعليه شرع المدمرون والفرنسيون عامة في تنظيم مهرجان الأفراح غير أن الجزائريين قاطعوه ونظموا مهرجانات خاصة به فسارت المظاهرات يوم السابع ماي تجوب شوارع العاصمة الجزائرية مطالبة بإطلاق سراح مصالي الحاج الذي كان في قصر الشلالة تحت الإقامة الجبرية وعندما تصدت الشرطة للمتظاهرين للحيلولة دون مسيرتهم لم يستجب المتظاهرون لنداء الشرطة فوقع الصدام المسلح وأطلقت الشرطة الرصاص على المتظاهرين وبدأ الموقف ينفجر وهذا ما دعا إلى ضرورة اجتماع جبهة حركة أحباب البيان والحرية فقرر حزب الشعب بعدما شجعه نجاح مظاهرات الفاتح والسابع ماي تنظيم مظاهرات أكبر في كل ولايات الوطن وجمع جماهير شعبية تكون قادرة على تخويف السلطات الفرنسية. 
ومع حلول الثامن ماي 1945م نظم الجزائريون عن طريق رخصة من إدارة شرطة الاحتلال مظاهرات سلمية في كل من سطيف وقالمة وخراطة وغيرها من المدن الجزائرية احتفاء بيوم النصر على النازية والفاشية وهم الذين شاركوا في الحرب بدمائهم وأبنائهم وأموالهم.
أراد حزب الشعب الجزائري من خلال هذه المظاهرات دفع الجماهير للمواجهة المباشرة من جهة والضغط على فرنسا بمظاهرات قوية من جهة أخرى وبالتالي التأكيد للحلفاء ولفرنسا على تعلق الشعب الجزائري بحريته واستقلاله ولفت انتباههم إلى الواقع الجديد الذي آل إليه هذا الشعب وهو واقع الاستعداد المطلق لتحمل مسؤولياته كاملة في إدارة شؤونه بنفسه. ومن جهته عمل فرحات عباس على تجنب كل الاستفزازات التي من شأنها إحداث الفوضى فيستثمرها المدمرون لتحقيق استراتيجيتهم في قمع الحركة الوطنية وعليه وجه تعليمات دقيقة بتاريخ 4 ماي 1945م إلى مكاتب حزبه في الجزائر تضمنت دعوة لتنظيم مظاهرات يوم النصر في هدوء تام وذلك بعد الحصول على موافقة السلطات الرسمية أولا واستعمال شعارات عامة ليس من شأنها إثارة سلطة الاحتلال فكانت رغبة حركة أحباب البيان والحرية هي تنظيم مظاهرات كبيرة لإسماع صوت الجزائر للعالم من جهة والضغط على فرنسا لتقبل بمطالبهم من جهة أخرى وأعطى حزب الشعب الأمر بالتظاهر يوم النصر وإشهار الألوان الوطنية وتحضير الرايات التي تحمل العبارات الآتية: (من أجل تحرير الشعوب أطلقوا سراح مصالي عاشت الجزائر حرة مستقلة تسقط الامبريالية...وهي شعارات ثورية كما لم تكن هناك خطة للتمرد وإن كان بعض المتظاهرين مسلحين فهو بغير عِلم المسؤولين.


.. يُتبع..