8 ماي 1945... حقوق الجزائريين لا تسقط بالتقادم

  • PDF

مراصد
إعداد:جـمال بوزيان

جرائم فرنسا الاستدمارية ضد شعب أعزل
8 ماي 1945... حقوق الجزائريين لا تسقط بالتقادم 

تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِهابِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.

*****
مجازر 8 ماي 1945.. تاريخ وطن وذاكرة شعب
أ‌. د. سامية بن فاطمة
الجزء الثاني والأخير

... وكتب السيد فرحات عباس عن هذا اليوم فقال: ... كان هذا اليوم يوم الثلاثاء يعقد فيه السوق الأسبوعي يتوارد على مدينة سطيف فيه مابين خمسة ألاف وخمسة عشر ألفا من الفلاحين يتقاطرون من أرجاء الناحية ومن كل فج عميق وكانت السلطات الاستدمارية أعطت رخصة القيام بمظاهرة زاعمة بأن بعض المسلمين رغبوا في وضع إكليل من الأزهار على نصب الأموات ففي مدينة سطيف حمل المتظاهرون العلم الوطني وانطلقوا من حي المحطة قرب الجامع الجديد رافعين لافتات جاءت فيها عدة شعارات مثل: (تحيا الجزائر المستقلة يسقط الاستدمار تحيا الجامعة العربية أفرجوا عن مصالي اشترك فيها مابين سبعة إلى ثمانية ألاف شخص تتقدمها الكشافة وتتعالى فيها الهتافات بحياة الجزائر الحرة وكان أحد أطفال الكشافة يحمل العلم الوطني والمتظاهرون يحملون باقة من الأزهار لوضعها على قبر الجندي المجهول وتقدمت المظاهرة نحو هدفها حتى وصلت وسط المدينة وبعد تدخل الشرطة في سير المظاهرة للحيلولة دون رفع الشعارات المعادية لفرنسا ونزع الراية التي كانت تتقدم المسيرة تحولت المناوشات إلى اضطرابات دموية انقسم المتظاهرون إلى مجموعتين الأولى واصلت مسيرتها في نظام نحو نصب الأموات حتى وضعت باقات الورد ترحما على أرواح ضحايا الحرب والأخرى تفرقت إلى مجموعات تجوب شوارع مدينة سطيف وتنتشر في وسط الأحياء الأوروبية أين اشتبكت مع العناصر الأوروبية ورغم أن المظاهرات قد حدثت في ولايات أخرى فإنها في أغلبها كانت متمركزة في سطيف وقالمة وخراطة.
إذن حدث الصدام العنيف خلال الساعات الأولى من يوم الثامن ماي إثر اعتداء محافظ الشرطة الفرنسية في مدينة سطيف وإطلاقه الرصاص على الشاب بوزيد شعال حامل الراية الوطنية ما أدى إلى انفجار الجماهير المشاركة في المظاهرات -تعبيرا عن فرحتها بنهاية الحرب وسقوط النازية لتكون بذلك أولى أعمال العنف من طرف مسؤولي الشرطة الفرنسية الذين تلقوا أوامر صارمة للاستيلاء على الأعلام الوطنية وكذا الرايات الحاملة للعبارات الوطنية والانفصال وجاء رد فعل المسلمين على ذلك باستخدام العصي والسكاكين وبعض المسدسات. فانطلقت قوات الاحتلال من شرطة وجيش عبر الشوارع والقرى والدواوير تنشر الخراب وتقتل كل من تجده أمامها وقد تشاركت القوات الفرنسية بما فيها اللفيف الأجنبي والسنغاليون والطابور المغربي والمدمرون لقتل الجزائريين وانتشر القمع على نطاق واسع فهاجم سكان سطيف المراكز الكولونيالية بما فيها من بنايات وموظفين وهو نتيجة منطقية للأعمال القمعية ضد المتظاهرين لتنقلب المظاهرات إلى ثورة وسلكت مدينة قالمة نفس المسار فالتقتيل والتعذيب كان جماعيا ودمرت القرى بالقنابل وتم إعدام ألاف الجزائريين دون محاكمة وألقي البعض من أعالي مضائق خراطة الشاهقة والهدف دائما هو بث الرعب في نفوس الجزائريين وعاث الجنود السنغاليون وفرق اللفيف الأجنبي وقوات الجيش الفرنسي فسادا فأتلفوا المحاصيل وسطو على الأرزاق واغتصبوا واقترفوا أفعالهم البشعة بكل حرية. 
وقعت المظاهرات في مختلف أنحاء البلاد وليس في سطيف وحدها حيث جرت في مدينة الجزائر وبجاية وباتنة وخنشلة وبسكرة وعنابة وقالمة وخراطة والقبائل الكبرى وغيرها. 
وقد كتب شارل أندري جوليان عن ذلك فقال: ... توجد وسائل أخرى تمت ممارستها على الشعب الجزائري فقد ألقي بعضهم داخل الأفران في هيلوبوليس(بالقرب من قالمة) كما أن السيد achiari وهو نائب عامل العمالة قد أطلق شخصيا النار على المتظاهرين وعن بشاعة المجازر نورد ما جاء به أبو القاسم سعد الله في كتابه الحركة الوطنية حيث ذكر ما كتبه محمد البشير الإبراهيمي عن حادثة الثامن ماي: لو أن تاريخ فرنسا كتب بأقلام من نور...ثم كتب في آخره هذا الفصل المخزي بعنوان مذابح سطيف وقالمة وخراطة لطمس هذا الفصل ذلك التاريخ كله .
يبدو أن الأحداث الدامية أخذت أبعادا خطيرة وتحديدا في منطقة سطيف بسبب العنف الكبير الذي شهدته المنطقة خاصة إذا عرفنا أن عدد القتلى فيها كان كبيرا يرجع ذلك الى النشاط الواسع للحركة السياسية في منطقة سطيف وذلك منذ سنة 1942م.
وعن الحصيلة العامة لهذه المجازر فقد اختلفت التقارير فوزير الداخلية الفرنسي السيد تيكسيه ذكر في تقريره أن عدد الجزائريين الذين شاركوا في الحوادث قد بلغ الخمسين ألف فرد ونتج عن ذلك مقتل 88 فرنسياو150 جريحا أما من الجانب الجزائري فمن 1200 إلى 1500 قتيل(ولم يذكر الجرحى) و2400 معتقل أطلق سراح 517 منهم وحوكم الباقي ويلاحظ أن كثيرا من الأحكام قد صدرت بالإعدام على يد المحاكم العسكرية وتتراوح التقديرات الجزائرية مابين 45 ألفا إلى 100 ألفقتيل أما التقديرات الأجنبية فتختلف أيضا فبعضها يقترب من إحصاء الفرنسيين وبعضها يقترب من إحصاء الجزائريين وفي الغالب هي من 50 ألفا إلى 70 ألفا.
وسعيا من الحكومة الفرنسية تغطية مسؤوليتها عن هذه المجازر فإنها ألفت لجنة تحقيق أسندت رئاستها إلى الجنرال توبير غير أن الجنرال دوفال وهو المشرف على تلك المجازر طلب توقيف التحقيق قبل مضي 48 ساعة على تأليفها وبداية عملها بعد أن أثبتت أولى التحقيقات أن المستوطنين الأوربيين كانوا يعتقلون الناس ويعدمونهم جماعيا على مسمع ومرأى من السلطات الإدارية فلم ترد الحكومة أن يعتقد الحلفاء أن وراء هذا التمرد حركة وطنية بل هم مشاغبون ساخطون على الهزيمة الألمانية ويؤكد الدكتور أبو القاسم سعد الله في كتابه الحركة الوطنية أن هناك اتفاقا لدى المعلقين على أن حادثة الثامن ماي لم يعرف عنها العالم إلا قليلا لأن الفرنسيين استعملوا فيها إجراءات حاسمة وسريعة وقوية.
يمكننا القول إن الإدارة الاستدمارية سعت بكل وسائلها للانتقام من تنامي المد الوطني وتذهب بعض الدراسات التاريخية إلى تأكيد فكرة أن أحداث 8 ماي 1945م كانت مقصودة من قبل فرنسا الهدف منها تحطيم الوطنية الجزائرية التي بدأت تتطور وكذلك القضاء على كل مبادرة غرضها التحرر والاستقلال إذ بعد تشكل حركة أحباب البيان والحرية في مارس 1944م بمدينة سطيف جاءت الفرصة للانتقام من الحركة الوطنية التي كانت تثير مخاوف الإدارة الفرنسية.
نتائج المجازر الدموية المرتكبة في حق الشعب الجزائري يوم 8 ماي 1945م
كانت الضربة موجعة جدا ولعل أكثر ما يوجع فيها أنها قضت على روح الوحدة التي تكونت بين التيارات الوطنية كما أحدثت توترا بين الجبهات السياسية الجزائرية. ورغم أن المظاهرات كانت من تنظيم حزب الشعب الجزائري إلا أن سلطة الاحتلال سارعت إلى حل حركة أحباب البيان والحرية وأغلقت مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين واعتقلت كلا من فرحات عباس والدكتور سعدان يوم الثامن ماي 1945م في الوقت الذي كانا فيه في الولاية العامة لتقديم التهاني لممثلي فرنسا على انتصار الحلفاء في الحرب وألقي القبض على أهم العناصر في حركة أحباب البيان والحرية وكذا على محمد البشير الابراهيمي بتهمة المساس بالأمن الداخلي الفرنسي ليتم إطلاق سراح كل من محمد البشير الإبراهيمي وفرحات عباس في وقت لاحق بعد صدور العفو العام بتاريخ 16 مارس 1946م.
بعد كل هذه الأحداث اقتنع بعض أعضاء الحركة الوطنية بحقيقة فرنسا العنصرية التي يستحيل معها تحقيق ولو مطلب واحد بالطرق السلمية فأحدثت المجازر بذلك حالة من الانسداد بين سلطة الاحتلال وأغلبية ممثلي الاتجاهات السياسية في الجزائر كما أدت إلى تشكيل فراغ بين الجزائريين وفرنسا وعليه فقد الجزائريون ثقتهم في إدارة المحتل وتيقنوا أن مرتكب هذه المجازر لا يمكنه استيعاب لغة الحوار التي كان يمثلها الكفاح السياسي هذا وقد يئس بعض ممن كانوا متأثرين بالحضارة الفرنسية والداعين إلى الارتباط بها حيث قرروا تغيير نظرتهم تجاه فرنسا وبالتالي اتخاذ مواقف معادية لها. 
وفي إطار سعي فرنسا لتهدئة الأوضاع بعد المجازر الدامية التي ارتكبتها قامت باستدعاء الجزائريين للاشتراك في اقتراع المجلس التأسيسي الأول الذي تقرر أن تجري انتخاباته يوم 21 أكتوبر 1945م جاء ذلك في الوقت الذي كانت فيه الساحة السياسية الجزائرية خالية من أغلب تشكيلات الحركة الوطنية بعد سلسلة الاعتقالات التي طالت كل من فرحات عباس زعيم أحباب البيان والحرية ومحمد البشير الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مباشرة بعد مجازر 8 ماي 1945م أما الحاج مصالي فكان رهن الاعتقال قبيل ذلك وبالتالي لم يبق ضمن الساحة السياسية إلا الحزب الشيوعي الجزائري و اتحادية المنتخبين المسلمين برئاسة الدكتور بن جلول المعروفين بتوجههما الموالي لفرنسا.
بعد مصادقة الجمعية التأسيسية الفرنسية الأولى على قانون العفو العام يوم 16 مارس 1946م والسماح بعودة النشاط السياسي عادت التشكيلات السياسية في الجزائر إلى الظهور في قالب جديد لدى بعض أعضاء ممثلي اتجاهات الحركة الوطنية الذين عايشوا مجازر 8 ماي 1945م وعانوا من ويلاتها. 
بعد كل التطورات التي عرفتها الساحة الوطنية الجزائرية على مستوى تياراتها أصبحت إمكانية جمع وتوحيد تيارات الحركة الوطنية أمرا مستحيلا خاصة في ظل سياسة استعمارية هدفها زرع الشقاق بين الجزائريين والوقوف بقوة أمام أي مشروع للوحدة ويبدو أن مسؤولية التحضير للعمل المسلح الذي ستشهده المرحلة القادمة قد تحملها التيار الاستقلالي. 
ما يمكننا قوله مما تقدم هو:
إن سلطة الاحتلال كانت تدرك أنها أمام حركة سياسية استطاعت التغلغل في الأوساط الشعبية وإقناعها بالتضحية في سبيل الاستقلال الوطني لذلك كانت مستعدة لاقتلاع جذور الحركة الثورية في أول فرصة تتاح لها فتمثل ذلك الاستعداد في جبهتين الأولى سياسية خصصت لزرع بذور الشقاق في صفوف حركة أحباب البيان والحرية واستعملت لذلك كل وسائل الترغيب والترهيب أما الثانية فهي الجبهة المادية وقد خصصت لإعداد وسائل القمع الضرورية لخنق بوادر الثورة في الوقت المناسب.
-أن السلطة الفرنسية كانت تترقب وتنتظر الفرصة المناسبة لضربة قوية فوجدتها في الاستعراض المنظم بمناسبة النصر وحمل الوطنيون للراية الوطنية تعبيرا عن إرادتهم في الاستقلال لذلك فان ما وقع في الثامن ماي لم يكن عفويا بل إنه عبارة عن تسلسل تاريخي فرضته الأحداث المتتالية وحتمية ظروف الحرب والتوعية الوطنية الجديدة فكان بين الجزائريين وفرنسا مسابقة ضد الساعة فإما أن يسيطر الاستدمار ويعيد الوضع إلى ما كانت عليه قبل الحرب وإما أن يفرض الجزائريون أنفسهم بقوة.
-أن فرنسا كانت لها أهداف من وراء تلك المجازر لعل أهمها القضاء على تيار التحرر الذي بدأ بقوة لدى الشعب الجزائري منذ بيان 1943م وقد تزايد وتعمق أكثر مع مرور الأيام فكان لابد من إيقافه بضربة قوية تتناسب مع قوة هذا التيار وبالتالي استسلام الجزائريين وتخليهم عن فكرة الاستقلال وما يدل أن القمع كان مبيتا وإدارة الاحتلال كانت على استعداد له أن التدخل العسكري جاء سريعا للغاية حتى في القرى والمداشر النائية.
-تعتبر مجازر الثامن ماي منعرجا حاسما من خلال الانتقال نهائيا من مرحلة إثبات الذات الجزائرية ومن قضايا المساواة والاندماج التي تجاوزها الزمن نحو المطالبة بالاستقلال ومنعرجا حاسما من حيث أنه أوجد الوعي بحقيقة تجاوز فكرة الاكتفاء بالمطالبة بالاستقلال نحو إيجاد السبيل المؤدي إليه وتدبر الوسائل المناسبة لذلك.
خاتمة:
رغم بشاعة تلك المجازر إلا أنها أتت بنتائج إيجابية حيث أنها كانت نقطة لانطلاق العمل المسلح وإدراك أن المواجهة السياسية لم تكن ذات فائدة ولعل الأهم من كل ذلك هو نمو الوعي الوطني لدى الجماهير الشعبية. وبالتالي ما حدث بعد ماي 1945م كان عكس توقعات سلطة الاحتلال في أن المجازر ستحد من عزيمة المقاومة الوطنية بل أنها اعتبرت نقطة اللا عودة لعمل سياسي عقيم لا يستند إلى العمل المسلح ذلك أن السياسة الفرنسية لن تتغير وعليه كان ميلاد حركة الانتصار للحريات الديمقراطية التي حاولت التوفيق بين العمل السياسي الشرعي والعمل السري تحضيرا للعمل المسلح من خلال تأسيس المنظمة الخاصة التي عملت على التحضير للرد على فرنسا وحسم الحرب في معركتها الأخيرة.


*****