الإسلام يكفل حق الإنسان في الحياة ولو كان ذمّيا

  • PDF

مراصد
إعداد:جـمال بوزيان

تباين حلول المذاهب الفكرية لمشكلات الفقر
الإسلام يكفل حق الإنسان في الحياة ولو كان ذمّيا

تَرصُدُ أخبار اليوم مَقالات فِي مختلف المَجالاتِ وتَنشُرها تَكريمًا لِأصحابِها وبِهدفِ مُتابَعةِ النُّقَّادِ لها وقراءتِها بِأدواتِهم ولاطِّلاعِ القرَّاءِ الكِرامِ علَى ما تَجودُ به العقولُ مِن فِكر ذِي مُتعة ومَنفعة ... وما يُنْشَرُ علَى مَسؤوليَّةِ الأساتذةِ والنُّقَّادِ والكُتَّابِ وضُيوفِ أيِّ حِوار واستكتاب وذَوِي المَقالاتِ والإبداعاتِ الأدبيَّةِ مِن حيثُ المِلكيَّةِ والرَّأيِ.

*****
الفقر.. مخاطره وعلاجه
أ‌. ناصر عوالية

الفقر من المشكلات الاجتماعية التي تهدُّ الأمم وتمزقها إربا إربا لما تخلفه من أثار تنفذ إلى أجزائها المختلفة  الفكرية والدينية والعلمية كما يؤثر على حريتها وقرراتها وللفقر امتداد في التاريخ الغابر تولدت عنه فلسفات وآراء متضاربة بين التمجيد له ورفضه.
يقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في كتاب الإسلام والأوضاع الاقتصادية ص 16: للترف تاريخ يُضرب في أغوار القدم ولمظاهره المادية والأدبية أثار عرفها المتقدمون والمتأخرون من سكان هذه الأرض على اختلاف أقطارهم وللبؤس كذلك تاريخ تمتد جذوره في ماضي الإنسانية البعيد ولصوره المادية الكئيبة معالم عرفها الأسلاف والأخلاف جميعا .
فما مفهوم الفقر؟ وما خطره؟ وكيف عالجه الإسلام؟ 
1ـ مفهوم الفقر.
لغة: الفقر ضد الغنى ويطلق الفقر على الحاجة والعوز.
اصطلاحا: عرفه محمود حسن في كتاب الأسرة ومشكلاتها ص 56 ـ57 هو: ... الحالة التي لا يكفي فيها دخل الأسرة في إشباع حاجاتها الأساسية للمحافظة على بنائها المادي والنفسي والاجتماعي وله نتائج خطِرة على الصحة ونوع الثقافة السائدة في حياة الأسرة وما يتوفر لها من فرص التعليم.. .
وللفقر مخاطر عقدية ونفسية واجتماعية وصحية ويعجل بفقد حرية المجتمعات التي تعيش تحت خطه وتصبح تعتاش على صدقات غيرها وربما كان ذلك من خيراتها هذا على المستوى الاجتماعي الذي هو امتداد للمستوى الفردي. 
ففي مجال العقيدة فإنه مصاحب للكفر وقد ورد في الأثر أنه حيثما حل الفقر قال له الكفر خذني معك.. وقد استعاذ النبي صلى الله عليه وسلم من الفقر مقرونا بالكفر وأمر المسلمين بالاستعاذة منه صباحا مساء كما جاء في المسند عن الإمام أحمد والنسائي في عمل اليوم والليلة اللّهُمّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الكُفْرِ والفَقْرِ وأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ لَا إِلَه إِلّا أَنْتَ .
بل ورد في موضع آخر أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ من الكفر والفقر دبر كل صلاة فعن أبِي بَكْرةَ أنَّهُ سَمِعَ وَالِدَهُ  يَقُولُ فِي دُبُر الَّصّلاةِ الَلهُمَّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفرِ وَالفَقْرِ وعذابَ القَبْرِ فَجَعَلْتُ أَدْعُو بِهُنّ فَقَالَ: يَا بُنَيّ أَنّى عَلِمْتَ هَؤلَاءِ الْكَلِمَاتِ؟ قُلْتُ: يَا أَبَتِ سَمِعْتُكَ تَدْعُو بِهُنّ فِي دُبُرِ الصَّلاةِ فَأَحَذْتُهُنَّ عَنْكَ قال: فَالْزَمهُنّ يَا بُنيَّ فإنّ نَبيَّ الله كَانَ يَدْعُو بِهُنّ فِي دُبُرِ الصَّلاةِ رواه النسائي .
وفي المجال النفسي والاجتماعي فإن الفقير يتأثر في المجتمع الذي لا يقدر حاله ويشير إليه بأصابع المهانة والاستخفاف وقد عبّر عن هذا المعنى الأديب ابن المقفع قائلا: إذا افتقر الرجل اتّهمه من كان له مؤتمنا وأساء به الظن من كان يظنُ به حُسنا فإذا أذنب غيره ظنوه وكان للتُهمةِ وسوءِ الظن موضعا وليس من خلة هي للغني مدْح إلاّ وهي للفقير عيب .
والأثر النفسي للفقر يتصل اتصالا مباشرا بالأخلاق والسلوك فينتج عنه ما ينافي الفضائل فإن الفقير المُستدان قد  يلجأ إلى الكذب عندما يطلب منه تسديد ما عليه من دين ذلك لأنّ صوت المعدة أقوى من صوت الضمير فالحاجة تطأطئ رأسه وربما دفع الفقر إلى الاضطراب والفوضى خاصة إذا كان ناتجا عن سوء تقسيم الثروة وتمكين صاحب الحق من حقه ومما يؤثر عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه في هذا المعنى قولهك: عجبْتُ لمن لا يَجدَ القوت في بيته كيف لا يخرج على النّاس شاهرا سيفه ُ .
وعن الإمام علي رضي الله عنه قال: لو كان الفقر رجلا لقتلته .
كما أنّ الفكر لا يستقيم في ظل الفقر فأنّى للمعدوم تفكيرا سليما ونظرا سديدا وصفارات الإنذار تنبعث من بطنه منذرة بالجوع وقد مثل أمامه ابنه باكيا يتضوع جوعا والآخر يئن من المرض وهو محاصر بين المترفين من جهة ومهضوم الحق من العابثين من جهة أخرى.
ومما يُروى عن أبي حنيفة قوله: لا تسْتشرْ من ليس في بيته دقيق .      
ويمتد خطر الفقر إلى الأسرة من حيث تكوينها واستقرارها وامتدادها فعزوف الشباب عن الزواج يرجع لقلة اليد وهو ما ينذر بخطر العنوسة في المجتمع الذي تنجر عنه أخطار أخرى من قبيل  التحلل الأخلاقي والسلوكي وغيرها ثم أنّ الفاقة تُعدم التوازن داخل الأسرة فيتأثر بذلك الأبناء وتصير تنشئتهم الاجتماعية غير سوية.  
وقد جاء في القرآن الكريم أنّ بعض الآباء قتلوا أولادهم من الفقر فأنكر عليهم وشدّد النكير 
قال تعالى: (وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِنْ إملاق نحنُ نَرْزُقكُم وإيَّاهُم) سورة الأنعام الآية رقم 15.
كما أنّ الفقر خطر على سيادة الأمة فالأمم الفقيرة لا تُسيّر ذاتها ولا تحكُم  قرارتها بل تذهب حريتها أدراجَ الرياح وربما عزف الفقراء من أبنائها عن الدفاع عنها فلا يقدمون أنفسهم خدمة لمجتمع حرمهم حقهم وقد حمل التاريخ العربي هذا المعنى فقد عبر الفارس عنترة بن شداد عن ذلك بقوله: 
يُناَدونَنِي في السِلْمِ يِا ابْن زَبِيبـــة           وعِنْدَ صِدَامِ الْخيْلِ يا ابْنَ الأَطايبِ 
وَلَوْلا الهَوى مَا ذَلّ مِثْلي لِمِثْلِهم          وَلاَ خَضَعَت أُسدُ الفــــَلا للثَّعــالِـــب 
ولمّا أمرهُ أبوه بالدفاع عن حياض القبيلة قالت قولته المشهورة: لا يُحسن العبد الكَرَّ إلاّ الْحَلْبَ والصرَّ .       ولما كان للفقر الأثر البالغ على المجتمعات حاولت بعض الفلسفات علاجه و محاصرته ولكن من دون جدوى فبينما ركزت الرأسمالية الطاغية على حرية التملك محملة الفقير مسؤولية فقره قابلتها  الشيوعية المطلقة بجعل النّاس على حال واحدة ومحاربة الغنى وتحطيم طبقة الأغنياء.
وبين الرأسمالية الطاغية والشيوعية المطلقة ينهض النظام الاقتصادي الإسلامي ويتّخذ طريقا وسطا مبنيا على أسس علمية ووسائل واقعية  لمحاربة الفقر وتمكين الإنسان من العيش بكرامة بين أفراد مجتمعه ولو كان ذميا بين المسلمين فحقه مكفول شرعا. 
وقد أشار العلامة يوسف القرضاوي إلى هذه الوسائل التي تكفل العيش الكريم وتسد حاجة الفقير في كتابه مشكلة الفقر وكيف عالجها الإسلام؟ حيث ذكر ثلاثة وسائل: 
1ـ تختص بالفقير نفسه: وهي وجوب العمل متى تيسر له ذلك وكان قادرا عليه قال تعالى: (هو الّذي جَعَلَ لَكمُ الأرضَ ذلُولاً فامْشُوا فِي مَنَاكِبِها وكُلُوا مِنْ رِزْقهَ) سورةالملك الآية رقم 15.
وعلى المجتمع والدولة معاونته بالمال وبالتدرب حتى يجد العمل الملائم.
2ـ الجماعة المسلمة التي تقوم بكفالة الفقير نزولا على حكم الواجب واستجابة لرغبة المثوبة عند الله وتتخذ هذه الكفالة الصور الآتية:
أـ نفقات الأقارب.
ب ـ رعاية حقوق الجار.
ج ـ إيتاء الزكاة المفروضة وهي الركن الثالث من أركان الإسلام وقدد حدد الشرع أصنافها وفيما تجب    ولأهميتها حارب الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه مانعيها وأجبرهم على إخراجها.
د ـ أداء الحقوق الطارئة في المال مثل الكفارات والنذور.
هـ ـ صدقات التطوع كالوقف.
وكذلك الصدقات المختلفة ولذلك عاب الشيخ أبوحامد الغزالي على المتدينين من أرباب الأموال أنّهم يحرصون على إنفاق المال في ـالحج الزائد على الفرضـ فيحجون مرة بعد أخرى وربّما تركوا جيرانهم جياعا .  فلو أغنوا الجياع لحققوا فقه الأولويات.
3ـ الدولة المسلمة التي يجب عليها أن تقوم بكفالة كل ذي حاجة ليس له مورد ولا كافل سواء كان مسلما أو غير مسلم وتتمثل موارد الكفالة في الزكاة والضوائع وميراث من لا ورثة له والموارد الإضافية كالضرائب التي تفرض على الأغنياء وغيرها من مداخيل الخزينة المتنوعة مما تحققه الشركات العاملة الطاقوية وغير الطاقوية. 
هذا وإنّ العمل والكد حصن للمرء من ذلة الحاجة والسؤال وانتظار ما يُدَرُ عليه من هنا وهناك فالشغل عبادة ترفع مقام صاحبها في الدنيا والآخرة ولذلك حث الإسلام على العمل والضرب في الأرض ابتغاء تحقيق الرزق.
قال تعالى: (ومَنْ يُهاجرفي سَبِيلِ اللّه يجِدْ في الأرْضِ مُراغما كَثِيراً وَسَعة) سورة النساء الآية رقم 100.
ثم أنه يجب تسفيه كل فكرة أو دعوة تحبب الفقر إلى الناس وترضيهم بالدون من المعيشة وتوجههم لطلب الرزق بذلة وصغار بل الأصلح أن يطلب المرء رزقه بعزة يتصبب جبينه عرقا في تحصيله ويستلذ ثمرته خير له من أن يفتح باب المسألة على نفسه ليفتح بذلك باب الفقر. 
وقد قيل: إن الرزق ليطلب صاحبه كما يطلبه أجله فاطلب رزقك بعزة .


*****
حفظة القرآن فخر لأنفسهم وأهلهم وللعالم العربي والإسلامي
أ‌. د. آمال كزيز


نعيش بصفتنا مجتمعا عربيا ومسلما العديد من الظواهر الاجتماعية والدينية التي أصبحت جزءا رئيسيا ومهما من حياتنا اليومية وفي حقل تفاعلاتنا مع مؤسسات المجتمع المختلفة ومن بين تلك الظواهر منها ما يتعلق بمقومات الدين الإسلامي التي نشأنا عليها كالتعاون والمحبة وصلة الرحم وحفظ القرآن الكريم بين أوساط عمرية مختلفة فحفظ القرآن الكريم من قبل البراعم والأطفال من بين مقومات التنشئة الإسلامية التي تهتم وما تزال تهتم بأهمية حفظ القرآن في جميع بقاع العالم أما في المجتمعات العربية الإسلامية فهذه العادة أصبحت منتشرة كونها ملازمة لما جاء به ديننا الإسلامي وهي ظاهرة دينية ثقافية اجتماعية تساهم في توطيد علاقة الفرد ببيئته الإسلامية من منظور أن حفظ القرآن لدى الأطفال يلاقي اقبلا كبيرا كونهم في سن يسهل عليهم حفظه لا يتوقف هذا على الحفظ فقط بل القدرة على التجويد ووفق أحكام القرآن الكريم وتبرز هذه الظاهرة أكثر في شهر رمضان الكريم الذي يعد شهرا مباركا يساعد على تنمية هذه الظاهرة ومن أجل هذا تساعد العديد من الجمعيات على تحفيزهم من خلال الاحتفاء بهم وتكريمهم وجلب بعضهم للمساجد كقدوة لأقرانهم غالبا وهذا شيء محبذ إذ كانت النية نية سليمة لتوطيد العلاقة بين الطفل ودينه وتعريفه بقيم الدين الإسلامي من تعاون وعطف ومحبة وعليه يمكن القول أن الاحتفاء بالبراعم هو محفز.
إنه لمن الجيد تعليم وتربية وتنشئة أطفالنا على قيم الدين الإسلامي وحفظ القرآن الكريم منذ الصغر وتعنى بهذه العملية الأسرة كمؤسسة تنشئة اجتماعية أولى مبنية ومؤسسة على قيم الدين الإسلامي وثقافة المجتمع كما أن للمسجد والزوايا دورا كبيرا في نقل مقومات المجتمع والدين الإسلامي كل هذا يحسب في إعداد الطفل لحياة أفصل قائمة على معالم ومبادئ ديننا الإسلامي إن احتفاء الجمعيات أو المساجد بالأطفال كجزاء لحفظ القرآن هو حلقة داعمة لهم رغم أن أكبر جزاء وأجر يكون من عند الله عز وجل.
إن هؤلاء الأطفال في العالم العربي والإسلامي هم فخر لهم ولأقرانهم كما أنهم قدوة يحتذى بها في جميع المحافل والمؤسسات لأنهم شباب الغد والمؤسس له وفي الأخير ما يسعنا القول سوى أن عظمة القرآن الكريم تبرز في قدرة عباده على حفظه والتأمل والتدبر في معانيه من كل النواحي لأنه شامل لمواضيع عديدة كل منها لها معنى وموعظة من الجميل أن نحافظ على تعاليم ديننا الإسلامي وجعل أبنائها على استعداد لحفظ القرآن الكريم والتدبر فيه.