الحياة البدائية تحاصر 800 عائلة بالسعادنية

  • PDF

واقع مخيف للقرى بالشلف
يعيشون العزلة والبؤس في منطقة نائية تبدو وكأنها اختيارية في المنحدرات بين روابي القمح، لكن قضاء يوم واحد فقط بينهم قد يكشف هول المعاناة اليومية التي يعيشها هؤلاء النّاس في منطقة السعادنية بدائرة أولاد فارس التابعة لولاية الشلف، والتي حاولت (أخبار اليوم) نقل بعض معالم معاناتها التي لم نصدّق أنها موجودة بيننا في عصر التكنولوجيا والتطوّر·

روبورتاج: مليكة حراث

التجمّعات السكانية المتناثرة هنا وهناك عبر طريق ترابية متحجّرة، والتي تبدو للمارّة وكأنها نقاط بعيدة في الأفق تضمّ أزيد من 800 عائلة يجمعها قاسم مشترك وهو التعوّد على المعاناة إلى حدّ الألفة، ويتخبّط كلّ هؤلاء في مشاكل يومية صعبة نظرا لعدم توفّر أدنى ضروريات العيش الكريم· ويعدّ الماء في منطقة السعادنية من بين الأحلام التي اقتنع هؤلاء بأنها لا تتحقّق، فليس في المنطقة كلّها سوى نبع واحد بعيد جدّا عن محلّ إقامة السكان، وهو المصدر الوحيد لإمداد السكان بالماء منذ أيّام الاستقلال، والملاذ الوحيد والمنقذ هم الدواب لجلب قطرة ماء· وحسب السكان الذين حاورتهم (أخبار اليوم) من غير الممكن أن يحصل مواطن ما من تلك التجمّعات السكانية على برميل ماء واحد، فمنذ الساعة السادسة صباحا يتشكّل طابور طويل من الرّجال والشباب والأطفال· ويقول محدّثنا: (يجب عليّ البقاء تحت الشمس الحارّة جدّا حتى يأتي دوري، وسأكون محظوظا في الوصول إلى العين والحصول على برميل أو دلو من الماء)، والمؤلم أن هؤلاء البسطاء لا يستطيعون نقل أوعية الماء أو غيرها إلاّ على ظهور الدواب، وحتى من يملكون منهم سيّارة لا يستطيعون استعمالها نظرا لطبيعة الطرق الترابية الوعرة والمليئة بالحصى والحجارة الكثيرة، لهذا فإن الدواب هي الحلّ الأمثل، خصوصا في الصيف الحارق أو الشتاء الماطر، فيما تبقى نسبة كبيرة من الفقراء تفعل ذلك على أظهرها دون أن يلتفت إليهم أحد من المسؤولين المحلّيين الذين أعياهم السعي إليهم·

المخاض على قارعة الطريق!
إضافة إلى ذلك فإن المرضى في دوّار السعادنية يعانون الأمَرّين نظرا لعدم وجود مركز صحّي أو عيادة طبّية في المنطقة، ويؤكّد السكان أنه في حال إذا ما حدث مكروه لأيّ شخص أو ألمّ به مرض أو أيّ طارئ صحّي فليس عليهم سوى أن يستعينوا بالدواب لإيصاله إلى الطريق الرئيسي أو الاستعانة بسيّارة (كلونديستان) لنقله إلى العيادة المتعدّدة الخدمات ببلدية أولاد فارس أو التنقّل إلى مستشفى الشطّية أو الشرفة بسعر يفوق الـ 2500 دينار جزائري، أمّا عن النّساء الحوامل فقد صار مألوفا منظرهنّ وهنّ يضعن مواليدهنّ على قارعة الطريق قبل الوصول إلى مستشفى الشرفة·
وفي الأخير اتّفق جلّ سكان المنطقة حول وصف معاناتهم يلخّصها (عمّي عبد القادر) أحد أعيان المنطقة بقوله: (نحن محرومون من الماء والطريق والعيادة أو حتى مركز علاج، فرغم أننا في الألفية الثالثة إلاّ أن العزلة قدرنا والحرمان من أبسط متطلّبات الحياة عنواننا، لقد طال الانتظار وسئمنا التهميش والتجاهل)· وحسب السكان خلال حديثهم معنا فإنه رغم الشكاوَى المتعدّدة للسلطات المعنية إلاّ أن الردود كانت تصبّ في الجانب السلبي والوعود الزّائفة التي لم تعرف تجسيدها على أرض الواقع، فقط مشروع واحد تمّ توفيره بالمنطقة وهو تزويدهم بالكهرباء فقط، أمّا باقي المشاريع التنموية الأخرى والمرافق الضرورية فبقيت حبيسة الأدراج إلى غاية كتابة هذه الأسطر· وأضاف أحد القاطنين أن والمسؤولين لا يعرفونهم إلاّ في موعد الانتخابات، واستطرد قائلا: (لقد واجهنا كلّ النكبات والمصائب ودفعنا الغالي والنّفيس إبّان العشرية السوداء، حيث وقفنا في وجه الإرهاب ودافعنا بوسائل دفاعنا عن أرواحنا وممتلكاتنا وبوسائل تقليدية دون أن نترك ديارنا، غير أنه في الأخير بقينا في طيّ النّسيان والإقصاء من كلّ الحقوق المشروعة كباقي المواطنين كما لو أننا عراة من الدستور الوطني ولا ننتمي إلى الجنسية الجزائرية)، واصفين المنطقة بأنها لا تصلح لعيش البشر، بل للذئاب ـ إن صح التعبير ـ باعتبارها نائية ومعزولة عن أعين المسؤولين في ظلّ انعدام ضروريات الحياة الكريمة والطبيعية في الوقت الذي ينعم فيه باقي الجزائريين بحياة الرفاهية والمشاريع التنموية· وعليه، يطالب سكان دوّار السعادنية بالشلف السلطات المحلّية وعلى رأسها والي ولاية الشلف بالتدخّل لانتشالهم من العزلة المفروضة عليهم بسبب الغياب الكلّي للمشاريع التنموية منذ الاستقلال·