أمواج عاتية في عرض البحر لم تقاومها قوارب الزودياك

  • PDF

شبكات الحراقة تتاجر بالأرواح  في المزاد العلني
البداية كانت بحلم راودهم بالوصول إلى الضفة الأخرى لأن رغد العيش بأوربا أو جنة الله في أرضه كما تبدو لغالبية الشباب الحالم بالخلاص من شظف العيش والهروب من شبح البطالة يستحق في نظرهم المغامرة بالأرواح، ولأن الغاية لم تكن مضمونة فكان الحال أبشع فاصطدمت أحلامهم الوردية بأمواج البحر العاتية التي تهاوت أمامها زوارقهم التقليدية فهلك من هلك وقبع من كتبت له النجاة خلف القضبان يندب حظه، وارتأت أخبار اليوم أن تنشر في تحقيقها هذا تفاصيل تلك المغامرات الخطيرة لشباب اختاروا الوصول إلى الضفة الأخرى عبر قوارب الزودياك غير الآمنة فتاهوا في عرض البحر وسلموا من الموت بأعجوبة·

ومن خلال التجربة الماضية التي عايشناها في الجزء الأول من تحقيقنا مع العائلات التي أصبح أبناؤها في عداد المفقودين، الذين اتخذوا من قوارب الموت وسيلة لعبورهم للضفة الأخرى من البحر المتوسط والتي  تركت لدينا العديد من التساؤلات، ما جعلنا نخوض التجربة من جديد لذا ارتأينا هذه المرة أن نتحدث مع بعض الحالات التي عايشت المغامرة وكانت لها تجربة مع قوارب الموت، رغم صعوبة الاتصال بهم وحالة التكتم التي تسود هذه الظاهرة، ولكن رغم ذلك تمكنا من رصد حكايات بعض من خاضوا غمار الحرقة وما سنسرده في هذه الأسطر، ليس من نسج الخيال، ولكن هي تجربة حقيقية·

شهادات شباب نجوا من موت محتم ···
طال البحث للعثور على رأس الخيط لحكايتنا عن (الحراقة) ولم يكن البحث بالأمر الهين، إلى أن بلغ حديثنا لشاب قيل لنا إنه من العارفين بالموضوع وقام بخوض التجربة، فكان لقاء (جمال) بداية الرحلة، جمال البالغ من العمر 30 سنة هو مثال حي لما عاناه شبابنا الذين ضاقت بهم السبل فرمى بنفسه في أحضان البحر دون أن يعير لمخاطره أدنى اهتمام تجذبه أكذوبة الحياة الكريمة في أوربا وكمن يئس من العيش في أرضه وبين أحضان أسرته فكانت هذه اللحظات (خاض المغامرة قبل سنتين ليجد نفسه قرابة السواحل المغربية بعد رحلة تعيسة دامت قرابة الثلاثة أيام في عرض البحر عاش خلالها لحظات لا تنسى رفقة من كانوا معه وذلك بعد أن ظلوا الطريق ووجدوا أنفسهم تائهين تتقاذفهم أمواج البحر حتى أنهم يئسوا من النجاة خاصة بعد أن نفذ منهم الماء والزاد إلى أن تم انتشالهم من قبل حراس السواحل المغربية، في أول وآخر مغامراته مع عالم الحرقة·
ليختم لنا حديثه بعبارات تنم عن مدى تشعب الظاهرة وضرورة معالجتها من جذورها بالبحث عن الأسباب والخلفيات التي أدت إلى ركوب شبابنا أمواج البحر فقال)، الشباب يرى في الهجرة السرية الحل الوحيد لجميع مشاكله التي يهرب منها، إلا أنني لم أفهم التدابير المعتمدة في بعض الدول كالمتابعة القضائية للمهاجرين وفي بعض الأحيان ينتهي الأمر بهم في السجن، المهاجر يقدم على الموت طلبا لحياة أكرم، فبالإضافة إلى فشله واستمرار وضعه المتردي نضيف إليه الحبس أي كأننا نربي جيلا جديدا من الساخطين على المجتمع، فالمهاجر يخرج من السجن وهو فاقد الأمل من كل شيء وبنفسية مهيأة لاصطياده من بعض الجماعات المتطرفة التي تصطاد مثل هؤلاء الشباب، أنا أرى من خلال تجربتي مع الحرقة أن المهاجر السري في حاجة إلى التكفل اجتماعيا وليس متابعته قضائيا فهذا سيزيد الطين بلة·
وكانت الوجهة الثانية (حي مارفال) كانت الساعة تشير إلى حوالي الخامسة مساء، حين نزل (خالد) من البيت، في الواقع لم تكن قصة خالد بعينها التي قصدنا إلا لكونها واحدة من عشرات القصص التي تتكرر مع اختلاف الخاتمة)·
بدأ (خالد) في سرد قصته، فهو لا يختلف في شيء عن رفاقه الذين سبقوه إلى إسبانيا (البداية كانت بذهاب رفيقي الحميم إلى إسبانيا بذات الطريقة، أي عبر البحر بعد غياب شهرين تلقيت رسالة عبر الأنترنت، حيث شاهدت صوره بمقهى الأنترنت، كان كل شيء يدل على أنه بلغ إسبانيا بأمان بل إن ضحكة عريضة كانت تعلو وجهه، وقد أكد أنه يسكن مع أحد أبناء عين تموشنت ويعمل لدى أحد المزارعين، بالرغم من عدم حصوله على أي وثيقة رسمية، إلا أن الإخوة هناك ساعدوه على الإقامة والعمل، المثير أنه كان يدعوني للالتحاق به، فالإقامة والعمل مضمونان، من هنا بدأت رحلة البحث عن أصحاب الزوارق للعبور إلى الضفة الأخرى)، على عكس الاصطلاح الشائع (الحرفة)، يتحدث خالد عن (الهدة)، تلك الرحلة المرجو منها الخلاص وتخليص كل من بقي وراءه·
بداية (الهدة) بالنسبة لخالد كانت بالتوصل إلى المرشد وسائق القارب الذي سيقودهم نحو سواحل إسبانيا، وقد كان اللقاء مع المعني الذي أكد للراغب بالهجرة أن الأمر منوط بتوفير قارب ومحركات من طراز موثوق فيه، إلى جانب تأمين عدد من الركاب يتناسب وحجم القارب وقوة المحرك، وبالفعل تم اقتناء قارب (زودياك) بحجم 4.20 متر طول و1.50 متر عرض، تم تزويده بمحرك من نوع (ياماها) 40 حصانا ولاستكمال العدة، كان لا بد من التزود بالوقود، فكانت الحمولة لحوالي 140 لتر من البنزين، لتبدأ رحلة البحث عن الركاب التي اعتبرها (خالد) من أسهل المهام، على اعتبار أن أعداد لا تحصى من الشباب تبحث عن (الركبة المضمونة) على حد قوله·
وقد كانت انطلاقة (خالد) وسبعة من رفاقه ليلة ليالي شهر جوان 2012 ليغيب في ظلام الليل، غير أنه بعد حوالي أسبوع عاد ليظهر من جديد بعد أن أمضى أياما في المستشفى المركزي لوهران، فقد تم إنقاذهم من طرف البحرية الجزائرية بعد ثلاثة أيام من الضياع في عرض البحر، تجربة يقول عنها خالد (كان البعض منا يشهد ويقرأ بعض الآيات القرآنية، لأننا ببساطة اعتقدنا أننا هالكون لا محالة، لم نجد ما نأكله ولا حتى الماء للشرب، أصبح الواحد منّا ينتظر الموت، في تلك اللحظات فكرت في والديّ وشعرت أنني لم أفكر يوما في حضنهما، كانت علاقتي بهم عابرة، في تلك اللحظات رأيت الموت وندمت على الكثير من الأشياء من ضمنها إقدامي على مثل هذه المغامرة غير محسوبة العواقب)·
بعد أن لمحنا ضوء الباخرة الجزائرية عرفنا أننا سننجو، قضينا أياما في المستشفى بعدها تمت إحالتنا على العدالة، لنعود أدراجنا لذات الحي وذات اليوميات البائسة، بصراحة بين الحين والآخر أستمر في التفكير في تكرار التجربة، فلا شيء يشدني للبقاء هنا·

رحلات الموت بين 15 و25 مليون سنتيم
إلى غاية هذه المرحلة كان تقربنا من موضوع (الحراقة) مجرد أحاديث، كان صوت ما في داخلي يخبرني أنني لا بد من التقرب أكثر من معايشة التجربة عن قرب لنقلها بصورتها التي يعيشها كل الهاربين من هذا الوطن، كان (خالد) رفيقي هذه المرة في رحلة البحث، وبصراحة لم تكن رحلة طويلة، فخالد يدرك الكثير عن مسارات هواتف المعنيين، كان أول اتصال له مع المدعو (عليلو) علمت فيما بعد أن اسمه (سيد علي) مهمته ترتيب الرحلات دون أن يغرى بدوره على القيام بواحدة من هذه الرحلات المحظورة· كان اللقاء مع (عليلو) في أحد المقاهي بقلب وهران، كان شابا يقترب من الأربعينات من العمر، يرتدي ملايس تدل على أنه ميسور الحال، في الواقع كنت في انتظار اللحظة التي ينطلق فيها الحديث عن الموضوع المنشود، ليسبقني (عليلو) بقوله: (شتبغي تعرفي على الهدة)، الأسعار، كل رحلة وقيمتها، إذ يتم تحديد ذلك بقيمة المرشد السائق ونوعية العتاد المستعمل (فيما يخصني أكاد أجزم أنه لا مجال للخطأ في عملي، حين أقول إنني سأوصلك إلى شواطئ إسبانيا، فهذا يعني أنني سأحرص على ذلك بكل الطرق، نملك معدات تكنولوجية جد حديثة، بالإضافة إلى مرشدين يعرفون البحر على متن قوارب متطورة، فيما يخص الأسعار فتتراوح من 150 ألف دينار جزائري وقد تصل إلى 250 ألف دينار للشخص، كل الذين وصلوا إلى إسبانيا يدعون بالخير لي، لست مثل البعض ممن يأخذون المال ثم يهربون أو يبلغون عن الرحلة)· من جهته، يؤكد (عليلو) أنه لا يتعامل مع أي كان، إذ أنه هو من يقوم باختيار زبائنه، فلا مكان للمدمنين ولا لمن له سوابق عدلية، حيث لا يتوان في طلب نسخة من سجل السوابق العدلية، كما أنه يمنعه منعا بتا حمل أي أغراض، إذ يوزع الماء والقليل من الأكل على الركاب إلى غاية الوصول إلى سواحل إسبانبا·  

بداية المغامرة من نهر يتوسط الجبال في ظلام حالك
بعد طول إصرار وإلحاح أزعجا (عليلو) قبل أن نرافقه في واحدة من الخرجات الليلية التي يحضرها، حاول (عليلو) بكل ما يملك من مبررات أن يشدد على خطورة الموقف، مشيرا إلى أن اللقاء يتم في الليل، لم يكن ذلك بدافع للتراجع بالرغم من التأكيد على بعد المسافة، أمام إصرارنا تم الاتفاق على اللقاء في التاسعة ليلا بكورنيش (Front de mer) لتبدأ الرحلة الليلية مع كل من خالد وعليلو، كانت الوجهة شاطئ (بوزجار) بعين تموشنت، ما يعني أن مسافة الطريق تستغرق على الأقل 45 دقيقة، كنت أنتظر أن نصل إلى شاطئ كأي شاطئ عادي لكنني تفاجأت بتلك المنطقة النائية فهو عبارة عن نهر وسط الجبال تتسم تلك المنطقة بالظلام الحالك ما يصعب رؤية الشخص الذي بجانبك لأفهم منطق هؤلاء الشباب في اتخاذ مثل هذه الأماكن لقطع البحر على متن قوارب الموت·

عقوبة السجن تزيد من نقمة الحراق على واقعه
يستمر إقبال الشباب على الهجرة غير الشرعية عن طريق قوارب الموت بالرغم من كل التهديدات التي تطالهم، ليس فقط من مخاطر البحر واحتمال الموت غرقا أو من الجفاف، بل كذلك من القانون الجزائري الذي بات يعاقب كل المغامرين من شباب (الحرقة)، إذ أن المادة 571 مكررة تعاقب كل (من يقدم على الخروج من البلاد دون تراخيص قانونية)، مع الإشارة إلى أن المحاكم الجزائرية باتت تشهد تكرار حالات مثول المتورطين في الهجرة السرية، فقد شهدت محكمة وهران في الفترة الأخيرة محاكمة ما لا يقل عن 891 شاب من (الحراقة)، ولعل آخرها يوم الخميس 5 جوان 2014 الذين مثلوا أمام القضاء السبت 7 جوان من نفس السنة أين تم القبض على 14 حراقا بعد أن تاهوا في عرض البحر وقاموا بالاتصال بالجهات المعنية التي انتشلتهم من موت محقق·
لكن لا يزال يدور جدل بالجزائر بشأن قضية تجريم الهجرة غير القانونية أو ما يعرف لدى الجزائريين بـ(الحراقة) بعد مصادقة البرلمان على قانون تجريم الهجرة السرية في محاولة لكبح الظاهرة، ولقي القانون انتقادات حادة ووصفه البعض بأنه يحد من حق الإنسان في حرية التنقل والإقامة، خاصة بعد تضاعف عدد المهاجرين السريين خاصة خلال الفترة الأخيرة·
هذا وقد أكد حقوقيون، إن عدد مهاجري (الحراقة) بلغ أسبوعيا نحو 60 شخصا جلهم من الشباب بالتزامن مع نجاح خفر السواحل الإسباني في إحباط أكبر موجة هجرة نحو سواحله، معتقدين أن كبح الظاهرة لا يكون بتجريمها أو بتسليط عقوبات سالبة للحرية، مقترحين الإبقاء على تجريم الظاهرة وإلغاء عقوبة السجن لتسهيل عودة هؤلاء المهاجرين الجزائريين إلى بلادهم لأنهم (يرفضون العودة خوفا من السجن)·
مشيرين إلى أن المسألة يتنازع فيها حقان حق دخول وخروج الإنسان من وطنه والتنقل والإقامة، والحق السيادي للدول الأوروبية في منع دخول الأجانب إلى أراضيها دون مبررات قانونية، مؤكدين أن القانون الدولي لا يلزم الدول باستقبال المهاجرين غير القانونيين باستثناء طالبي اللجوء السياسي· ويضيفوا في المقابل أنه على الدولة أن تقوم بإزالة أسباب الهجرة السرية بدلا من سن قانون لتجريمها، فيصبح ذلك عقوبة إضافية لهؤلاء الشباب الذين يدفعهم لذلك الفقر والحاجة، على حد قولهم·

ويبقى الأمل قائما ···
ذهبنا إلى منطقة وهران في إطار مهامنا الصحفية من أجل كشف الحقائق لكنه تحوّل الأمر إلى تعلق بأشخاص طيبين وصادقين دفعتهم الأوضاع الاجتماعية المزرية إلى اختيار ذلك السبيل غير الآمن ونأمل من أعماق قلوبنا أن يجدوا ما حلموا به ويوعدوا بمستقبل زاهر في أرض وطنهم  بعيدا عن قوارب الموت وشبكات المتاجرة بالبشر منهم الهواري، لخضر، زكريا، خالد وغيرهم كثيرون·
حسيبة موزاوي