وحدة السوق الإفريقية وفجيعة السوق العربية

  • PDF


بقلم: علي محمد فخرو*
أما وأننا نحن العرب قد توقفنا عن أن نكون قدوة تستحق المفاخرة في أي من حقول النشاطات الإنسانية فإننا على الأقل يجب أن نتواضع ونتعلم مما يفعله الآخرون.
فالاتحاد الافريقي الذي تعلم من تجربة الاتحاد الأوروبي بصورة أفضل من تعلمنا والذي بدأ الافارقة بإنشائه عام 1963 أي عشرين سنة بعد إنشائنا للجامعة العربية والذي لم يثبت في الواقع إلا بحلول عام 2002 والذي يضم دولا بتاريخ وثقافات ولغات وسياسات غير متماثلة بل أحيانا متناقضة ومتنافسة والذي لم تجف بعد الدماء التي أريقت بسبب صراعات وحروب دوله وقبائله ودياناته بين بعضها بعضا..
هذا الاتحاد يخطو رويدا رويدا وبثبات نحو إنشاء سوق اقتصادية مشتركة سترفع تجارته البينية من نسبة 16 بالمائة الحالية إلى 60 بالمائة وستضيف ما يقدر بسبع تريليونات دولار أمريكي لاقتصاده المتنوع وتطوره الصناعي. ويتكلم قادته عن أن ذلك سيكون خطوة نحو مزيد من الاندماج الافريقي الشامل في حقول السياسة والاجتماع ونحو إمكانية خلق عملة موحدة.
لنقارن تلك المسيرة التي جرت لا في العالم الأول المتقدم حتى لا يتعلل البعض بالفرق الحضاري الكبير بين ذلك العالم الأول وعالمنا الثالث الذي ينتمي إليه العرب والافارقة لنقارن تلك المسيرة الاقتصادية بمسيرتنا العربية لنرى الإخفاق في أشد صوره. بسبب الصراعات والمماحكات وأحيانا المؤامرات بين أنظمة الحكم العربية التي أجلت الانتقال الجدي إلى الموضوع الاقتصادي العربي المشترك حوالي خمس وثلاثين سنة على الرغم من توقيع اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية عام 1957 وعلى الرغم من قرار مجلس الجامعة العربية إقامة سوق عربية مشتركة عام 1964. لقد كان هناك تردد عند البعض وكانت هناك انسحابات من قبل البعض بسبب الظروف السياسية وبدائية الحياة الاقتصادية وممارسة الطلاق العربي الشهير ما بين القول والفعل. وقد استبشر الناس خيرا عندما أقرت قمة عربية لرؤساء الدول في عمان ـ الأردن عام 1980 استراتيجية عربية اقتصادية مشتركة وخطة للتنمية الاقتصادية. لكن تلك المحاولة دخلت في غيبوبة بسبب الحروب في الخليج العربي وتذبذبات أسعار النفط وتوجه فوائض العائدات البترولية والغازية للاستثمار خارج الوطن العربي وعدم الانتقال من اقتصاد ريعي إلى اقتصاد إنتاجي متشابك ومتناغم ما بين مكوناته ونتائجه وبقاء الاختلافات الشديدة بين القوانين المنظمة للحياة الاقتصادية والتجارية والجمركية والتعامل مع النظام الاقتصادي العولمي ومتطلباته المطبقة في كل قطر عربي.. كل ذلك جعل التجارة البينية بين الدول العربية تراوح في مكانها صعودا ونزولا بين العشرة والعشرين في المئة كحد أقصى وذلك إبان فترات ارتفاع مداخيل البترول بصورة مؤقتة. كما أن تلك العوامل قادت إلى ضعف شديد في خطوات التكامل الاقتصادي والمشاريع المشتركة وولوج تطورات وتنامي اقتصاد التكنولوجيا والمعرفة.
بعد مرور خمس وسبعين سنة على تأسيس الجامعة العربية وعلى الرغم من الاجتماعات والقرارات والكلام الكثير عن الوحدة الاقتصادية والتكامل الاقتصادي والسوق المشتركة فإن أقصى ما وصلنا إليه في عام 1998 هو إطلاق بداية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى التي أوصلتنا على الأقل إلى تطبيق شبه الإعفاء الكامل من الضرائب الجمركية على السلع المتبادلة ما بين الأقطار العربية بشرط أن تكون ذات المنشأ العربي. لكن الكثير من الأخصائيين الاقتصاديين العرب بينوا مرارا أن الاكتفاء بأطروحة المدخل التجاري كأداة وحيدة أو مهيمنة على النشاط الاقتصادي العربي المشترك لن تكفي لبناء اقتصاد تنموي مستقل وغير تابع وخاضع للخارج. وإننا نحتاج لدخول عوالم جديدة مثل الإنتاج المشترك والتشريعات المشتركة والسوق المشتركة والعملة المشتركة. وإلا ستظل نسبة التجارة السلعية البينية المتبادلة تدور حول العشرة في المئة من مجمل التجارة العربية وستكون النسبة أقل عندما تنتهي حقبة البترول العربية.
ما هو واضح من كل ما سبق هو أننا أمام غياب لإرادة سياسية عربية مشتركة قادرة على الانتقال إلى متطلبات التكامل الاقتصادي ومن ثم حتى ولو على مدى متوسط الانتقال إلى نوع من الوحدة الاقتصادية لكن تلك الإرادة غير متوفرة عند الغالبية الساحقة من أنظمة الحكم العربية. الموجع هو أنه في عام 2011 قام مركز دراسات الوحدة العربية باستطلاع عينة من أفراد الشعب العربي عبر الوطن العربي للتعرف على اتجاهات الرأي العام العربي نحو مسألة الوحدة العربية. لقد أبدى 55 بالمائة رغبة في قيام وحدة عربية اندماجية كاملة بين الأقطار العربية وأبدى 66 بالمائة قيام اتحاد فيدرالي. وقد أظهر استطلاع مماثل قام به معهد الدوحة عام 2014 تأييد 55 ـ 57 بالمائة التوجه نحو إجراءات تعاونية وتوحيدية بين الأقطار العربية. إذا كانت غالبية الشعب العربي تؤيد قيام وحدة إندماجية في كل مناحي الحياة فهل كثير على أنظمة الحكم العربية لو أنها تقرأ أو تعير اهتماما لما تريده شعوبها أن تتوقف عن الاستمرار في التلاعب بوحدة جزئية في حقل الاقتصاد؟