في مدينة الأبيض سيدي الشيخ فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ

  • PDF

في مدينة الأبيض سيدي الشيخ
فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ
- الجزء الثامن والخمسون-
بقلم: الطيب بن إبراهيم

-المحافظ الرسولي وتقريره التنصيري حول الأبيض
كتب المحافظ الرسولي المكلف بالصحراء غوستاف نوي Gustave Nouet 1878- 1959   تقريرا إلى le Bulletin des missions d Afrique des pères blancs تحت رقم ( 434 ) الخاص بشهري أوت وسبتمبر سنة 1934 يتحدث فيه عن الاهتمامات بمدينة الأبيض سيدي الشيخ الاستراتيجية من طرف الجهات الرسمية الفرنسية الإدارية والكنسية. 
استهل المحافظ الرسولي المقيم بغرداية حديثه قائلا: لقد سمعت الكثير من الحديث عن مدينة الأبيض سيدي الشيخ منذ ثلاثين سنة حيث كانت هناك نخبة من الآباء البيض المحترمين الذين ماتوا الآن والذين اهتموا بالمدينة وقاموا بأداء واجبهم التنصيري اتجاهها.
ويواصل تقريره قائلا: قبل ذلك كان المسئول السامي للآباء البيض بالجزائر الأب فوايار Voillard قد مر بالمدينة مع قافلة مرافقين له من ضباط المَكْتَبَيْن العربِيَيْنِ بمدينتي جيريفيل البيض والعين الصفراء للبحث عن مكان لإقامة مستشفى بالمدينة وذلك بطلب من السيد جيل كامبو  Jules Cambon الحاكم العام الفرنسي بالجزائر آنذاك وهذا ما تم فعلا سنة 1899. وبعد اختيار المكان تم إنجاز المستشفى من طرف العسكريين الفرنسيين وجُهِّز بغرف كبيرة لاستقبال المرضى بها أسرة بيضاء وألحقت بالمستشفى ست ممرضات للسهر على علاج المرضى (وهذا ما اشرنا له بالتفصيل في الحلقة الرابعة).
ويواصل المحافظ الرسولي عدم تحمسه للمشروع  قائلا : لكن البدوي لم يُحب غير خيمته المنخفضة السقف والضيقة وحبه للنوم على الرمال والركوب على راحلة بعيره وحتى إن كان مريضا يرغب في مواصلة حلمه في الحرية والنظر إلى الآفاق الممتدة أمام ناظريه انطلاقا من اطراف خيمته التي تحركها الرياح لذلك لم يأت احد للمستشفى واضطرت الأخوات البيض لمغادرة مدينة الأبيض سيدي الشيخ لكنهن تركن إحداهن توفت هناك بالوباء في شهر أكتوبر سنة 1900 هي فالنتين  Valentine وبقي قبرها عنوانا للأمل !! 
ومرة أخرى يردد الأسقف نوي القول : وسمعت الكثير من الحديث عن المكتب العربي بالأبيض سيدي الشيخ وكان آخر الضباط الذين مروا به هو النقيب شارلي   Charlet رائد الصحراء وهو صديق قوي للآباء البيض قتل أثناء الحرب العالمية الأولى لقد كان ضابطا كفأ ومسيحيا ممتازا ويواصل المحافظ قائلا أن الضابط الفرنسي شارلي كانت له علاقة طيبة وسمعة حسنة مع السكان وانه كان قديسا وذلك من خلال ذكرياته عنه والضابط الفرنسي هذا هو النقيب إدوارد شارلي  1873-1915  Édouard Charlet الذي كان رئيسا للمكتب العربي بالأبيض سيدي الشيخ سنة 1904 وقد سافر لأقصى الجنوب ستة عشر مرة في مهام تجسسية وهذا قبل أن يقتل بجانت سنة 1915 فأخذت المدينة اسمه.
ويُذكِّر المونسنيار نوي مخاطبيه في تقريره أن الأب شارل دي فوكو شخصيا قد مر بمدينة الأبيض سيدي الشيخ سنة 1909 بعد عودته من فرنسا حيث التقى في جيريفيل البيض بصديقه العسكري الرائد رونو وهذا قبل عودته لمقر صومعته بالهغار وهو يردد تراتيل سبحته طوال مسافة سفره؟.
ويواصل المحافظ الرسولي تقريره حول مدينة الأبيض قائلا: اليوم وعلى بعد مائة متر من المستشفى القديم وعلى بعد بعض الأمتار من قبر ماريا وفي نفس المكتب العربي القديم توجد إرسالية الإخوة الصغار للقلب المقدس. ويعود الأسقف نوي مرة أخرى ليذكّر بأن هؤلاء العرب الفقراء قد يصبحون أغنياء إذا عملوا لكنهم بدو بالوراثة ولا شيء أفضل بالنسبة لهم من نصب الخيم والسعي وراء الكلأ في مراعي خالية نحو آفاق جديدة وهنا يظهر تشاؤم المحافظ الرسولي من عدم تعاون وإقبال هؤلاء البدو الرحل على المحسنين .
لكن اللافت للنظر في تقرير المحافظ الرسولي غوستاف نوي حسب وصفه هو عدد القبب البيضاء التي تميِّز أضرحة متصوفي العائلات المرابطة من أولاد سيدي الشيخ بمدينة الأبيض لدرجة اعتقاد سكانها أن مدينتهم مقدسة ويؤكد أن الولاء لمتصوفة المدينة يجلب الزوار لها على مدار السنة من طرف الكثير من القبائل الموالية لها.
ويختم المحافظ الرسولي تقريره بالحديث عن الوضع التنصيري في مدينة الأبيض سيدي الشيخ في عهد إرسالية إخوة يسوع الصغار متمنيا أن يصبح لقبتهم المشابهة لقبة سيدي الشيخ والمزينة بكتابات عربية من داخلها أن يصبح لها زوار كما هو حال بقية القبب الأخرى المهيمنة على المشهد بالمدينة خاصة أن قبّة الإخوة لا يظهر عليها صليب ولا يدق فيها جرس ليلا ونهارا أثناء أوقات الصلاة فكأنها تمثل ضريحا لصوفي جديد لكنه يستدرك قائلا أن المسلمين لم يخطئوا وهم يعرفون أن الكنيسة هي مكان للإخوة يقضون فيه معظم أوقاتهم.
خلاصة تقرير المحافظ الرسولي عن مدينة الأبيض يتمحور حول ثلاث نقاط رئيسية هي :
الأبيض سيدي الشيخ مدينة استراتيجية بمكانتها ونفوذها فاهتمت الجهات الرسمية الإدارية والعسكرية والكنسية بمحاولات احتوائها وتنصير سكانها ويظهر ذلك من خلال تعاون الحاكم العام بالجزائر جيل كامبو  Jules Cambon والمسئول الأعلى للآباء البيض الأب فوايار  Voillard وضابط المكتب العربي بالأبيض النقيب إدوارد شارلي لاحقا.
ثانيا أن سكان مدينة الأبيض يتميزون بطابعهم البدوي الصحراوي والبدويُّ بطبعه يفضل البقاء في خيمته راكبا على راحلته متمتِّعا بحريته راكضا وراء الكلأ لماشيته عبر آفاق صحرائه غير مبال بصحته مقابل حلم حريته وتحرره...
ثالثا وأخيرا وأثناء حديث المحافظ الرسولي عن دور إرساليته سنة 1934 أي مع بداية تاريخ تأسيسها تمنى لها النجاح وتمنى أن تتكلّل جهودها بالنتائج المرجوة لما تقوم به من جهود واختراق وتكيف مع السكان!.
يُتبع...