أوميكرون أو حضارة الكوفيد

  • PDF


بقلم: وسام سعادة*
لن ننتهي! عبارة من هذا القبيل سرت على الشفاه وكبست على صدور كل من طالعه أمر السلالة الجديدة والمعجّبة أوميكرون من فيروس كورونا. فقد صاحب الإنباء عن أوميكرون رواج عدوى الخيبة.
وهي في عمومها خيبة من كان يمنّي النفس بأحلام ومشاريع لمرحلة ما بعد كورونا. وتثبيط همّة من كان يعامل الجائحة على أنّه لم يفضل منها سوى الفلول . وأنّ الفصل الأساسي منها كُتِب ودخلنا في صياغة الخاتمة والتعجيل بالعدّ التنازليّ. وأنّه ليس مطلوباً سوى أن ينتشر التلقيح على أوسع نطاق ويكف المرتابون من اللقاحات عن وساوسهم وخزعبلاتهم ويقبلوا عليه مطمئنين شاكرين ومبقين على قواعد التباعد الاجتماعي إلى حين انطفاء إشارة ربط الأحزمة! وأنّه في المحصّلة ثمّة أقراص وعقاقير ستتكفّل باللازم المتبقي ما أن يجري تأمينها على النطاق الأوسع وتكون بمثابة الضربة الترويضية القاضية.
فيصير من بعدها الكوفيد مُستأنَساً لطيف المعشر شأنه في هذا شأن الإنفلونزا التقليديّة . وأنّ الناس ستنصرف في إثر ذلك بالكلّيّة إلى أعمالها الجارية. فيمرّ وقت من بعد ذلك يديرون وجههم لهذه الصفحة المرهقة ثم يسترجعونها عند ترتيب الذاكرة ويتأسّون ويتندّرون على أيّام كورونا المنقضية التي هاجت ثم بادت. هذا في وقت يمكن فيه للعلم الذي طوّر قدراته ومهاراته في مواجهة كوفيد 19 أن يستعين بالتقنيات الحيوية الوراثية المعتمدة على الرنا المرسال والمحصورة في الدائرة المختبرية التجريبية قبل جائحة كورونا بقصد معالجة ما يتخطى كورونا وعموم دائرة الفيروسات. فتكون الفيروسات تدريجياً وراءنا وترتسم تواقيع المنازلة الكبرى بين النوع البشري وبين مرض السرطان على طريق تحطيم هذا الأخير في مجرى هذا القرن بحيث يضيع هو الآخر في بوتقة الأمراض العاديّة ولا يعود من شاغل استراتيجي إثر ذلك سوى السيطرة على الشيخوخة نفسها والتوفيق بين الإطالة بعمر الإنسان وبين الإطالة بالعمر الذي يكون فيه هذا الإنسان منتجاً ومُحتمل الفاتورة الصحيّة. جاءت الطبعة المنقحة المزيدة من هذا الفيروس لتقطع حبل هذا الاسترسال هذه الرغبة في دمغ القرن الحالي بالمعنى. عكّر أوميكرون مزاجاً كان آخذاً في الانتشار بين الأنام بأنّ القرن الحادي والعشرين الحقيقي ينتظرنا ما أن تنتهي الكورونا وباغتنا التكدّر مجدّداً من أن يكون هذا هو قرن الكورونا بامتياز بل أن يعاد انتاج كل كبيرة وصغيرة في السياسة والصحة والثقافة والدين والعلاقات الإنسانية على محك الكوفيد 19. وبحيث لا يعود من الفانتازيا فقط الحديث عن حضارة كورونية كونية.
يتمازج فيها التواصل الأقصى والأسرع بين مناطق و نقاط العالم بالإنعزال الانطوائي الحاد والمزمن بين البشر وتحوّل الإرتياب من جسم كل من يقترب إليك على أنّه مركبة أو منصة للكوفيد وهو نفسه الإرتياب عندما تُفحص وأنت بصدد سفرة أو مسعى بأنّك أنت ولو لم تصب به بعد جسد الكوفيد الإفتراضي نفسه! ويبدو مع أوميكرون أننا سنصرف أسماء الأحرف الهجائية الإغريقية جميعها على متحوّرات كورونا فيقال أخوات دلتا وأوميكرون على نحو ما يجري الحديث عن كان وإنّ وأخواتهما. وهذا قبل كل شيء يدفع الناس مجدداً إلى منطقة الكرب وقد اعتقدوا أنهم غادروها بعض الشيء حين لم تنجح ثورة دلتا المضادة في حرف حركة السيطرة الكوكبية اللقاحية على الفيروس عن مسارها.
وليس ضرورياً أن تنجح ثورة أوميكرون المضادة هي الأخرى. مع جديّة كل الحديث عن خطورة السلالة الجديدة المسبعة الكارات ليس فقط من ناحية سرعة العدوى ودرجة الإيذاء فحسب بل وقبل كل شيء آخر من ناحية القدرة على تعطيل نوعي ويشي بالمزيد منه لمفاعيل اللقاحات وسياسات التلقيح. لقد اكتسب المتحور دلتا نجومية رفع وتيرة سرعة العدوى وكان الرد على ذلك بمسابقة في العدوِ بين سرعة العدوى وسرعة التلقيح. أما أوميكرون فيظهر أنّه ينازل اللقاحات في ذاتها ويعيد التذكير بما يفترض أنّه تحصيل حاصل وهو أنّ لكل فعل ردّة فعل وأنّ التحوّر الفيروسي عينة من هذا. بالأخص عند الفيروسات التي قُدّ جينومها (صحيفته الوراثية) من حمض الرنا (الحمض النووي الريبوزي) شأن عائلة فيروسات كورونا. لا ثابت هنا في هذه المعركة. والمتحرك غير منحصر بالمسابقة بين سرعة التلقيح وبين اللحاق بسرعة كل متحور. إنما هو سجال بين نجاعة اللقاحات في محاصرة الفيروس ثم نجاح هذا المتحور أو ذاك من التملّص من هذا الحصار أو تليين شبكته. لا يعني هذا البتة أن الأمور يمكن أن تخرج عن السيطرة تماماً بحيث إعادتنا الى ما قبل اكتشاف اللقاحات واستخدامها.
أبداً. هذا نوع من خيال علمي رديء . الخيبة المفهومة من وراء ظهور أوميكرون لا تعني أننا عدنا الى العام 2020 بل تعني كما بازاء أي فيروس أنّ المتحورات تتطور في مواجهة التلقيح ثم تتطور اللقاحات بعد أن تكون المتحورات قد زودتها بفهم أدق للفيروس وكل ما هو بمستطاعه. لأجل ذلك لا بأس بالاقتصاد من أمرين: الاستعجال غير المدعوم بالأساند لطي صفحة كورونا والاسترسال الكوارثي الطاعن في فعالية اللقاحات من الأساس والذي يحاول ان يقول لنا مع أوميكرون أو غيره بأن الأمور خرجت عن السيطرة وتعود لمربعها الأول. أبداً. لن ننتهي ! قد يكون بمعنى ما وبأثر أشد من القول بأننا لم ننته بعد من هذا الفيروس. لن ننتهي ومع ذلك لم تخرج الأمور عن السيطرة ولا عادت الى مرحلة ما قبل اللقاحات ولا هي بمقدورها ان ترجع القهقرى بهذا الشكل المحموم. بشكل ما يقفز الفيروس في حلته الجديدة أوميكرون لمصارحة كل امرؤ بأنّه: ما زال مبكراً تنفّس الصعداء هكذا. عليك بتقبّل أن جزءاً ثميناً من عمرك ستضيّعه معي. حتى ولو لم أصبك بالردى ولا حتى بالمرض أو بالعياء. أنا لست ضميرك يا أخي لكنك أحياناً أنا وأحياناً يُنظَر لي على أني انا أنت. علاقتنا شائكة كما يقولون. اجري pcr عند كل ارتياب. ما تخسر؟ . الهلع والذعر ليسا بيت القصيد هنا. ولو تفشّت نوبة منهما مع انتشار الحديث عن أوميكرون وعودة الانشغال بتقييد حركة الملاحة الجوية. أخطر منهما هو السأم.
وأخطر من السأم من استمرار كورونا هو انقسام النفس في أمر السأم. هل تتقبله النفس كعبث يسلّيها أو ترى فيه روحاً لقرن بحمض رنوي نعم إنما لا تظهر له من روح أو نكهة خاصة به؟ أن يكون قرننا بلا طعم قياساً على إثنين سبقاه فهذا ما تحمله معها متحورات الفيروس إلى حد ما. وأن يكون القرن الحادي والعشرون الفعلي لن يبدأ الا بعد اختفاء كورونا فتلك للنفس أحجية أخرى. وما تتسمى إذاً هذه السنين؟ المؤرخ إريك هوبسباوم استعجل انهاء القرن العشرين مع انقضاء الحرب الباردة ووصفه بالقصير في مقابل قرن أطول سبقه. لم نعرف بعد في المقابل ان بدأ الحادي والعشرون فوراً من بعده أو إثر 11 أيلول أو في أعقاب أزمة 2008 المالية العالمية أو اذا كان تقويمه الدلالي يتحدّد بالكوفيد. حينذاك تصير كل المسألة هي تحديد واحد من اثنين إما أن عصرنا قرننا بدأ لحظة ظهور الكوفيد وإما هو القرن الذي ينتظر انتهاء الكوفيد ليقبل ويُدبر.. أزهرَ أو لم يُزهر.