فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ -الجزء الخامس عشر بعد المائة-

  • PDF

في مدينة الأبيض سيدي الشيخ
فرنسا وأول تجربة تنصيرية في التاريخ
-الجزء الخامس عشر بعد المائة-
بقلم: الطيب بن إبراهيم

*صورة قُبَّة كنيسة الأبيض على غلاف كتاب حول ماسينيون! 
لا أبالغ إن قلت أن هناك المئات من الكتب التي كتبت حول شخصية لويس ماسينيون بكل اللغات وفي جميع القارات ومثال على كثرة ما كُتب حوله كتاب حديث حلقتنا هذه      لويس ماسينيون في قلب عصرنا Louis Massignon au cœur de notre temps لصاحبه جاك كريال Jacques Keryell هو سادس ستة كتب كتبها وجمع نصوصها صاحبها حول ماسينيون وما هو ملفت للانتباه اختيار صاحب الكتاب لصورة قبة كنيسة الأبيض من الداخل ووضعها على واجهة غلاف الكتاب الأمامية والمشاهد للصورة يتوقّعها أنها إحدى تحف عمارة الحضارة الإسلامية التي اهتم بها المستشرقون عامة وماسينيون خاصة جلبت من مصر أو الشام أو العراق أو إيران أو حتى من الأندلس وهي الأماكن التي تردَّد عليها ماسينيون كثيرا ولا يتوقع أحد أنها موجودة بمدينة الأبيض سيدي  الشيخ لأنها لا علاقة لها بالعنوان ولا تلفت الانتباه حتى لأبناء مدينة الأبيض بل أنا المهتم بالموضوع منذ سنوات والذي شاهدتها من الداخل عندما سُلِّمت الكنيسة  لوزارة الثقافة قبل أكثر من عشر سنوات لم أتعرف عليها ولم انتبه إلى أن هذه  الصورة موجودة بمدينتي الأبيض سيدي الشيخ ولو لم أتفحص الكتاب لما اكتشفت الأمر الذي تفاجأت به!.
لكن الأهم في هذا الكتاب هو وجود ثلاثة أطراف متفاعلة مع بعضها البعض لويس ماسينيون وهو موضوع حديث حلقتنا وكنيسة إرسالية الأبيض وهي بيت القصيد وصاحب الكتاب وهو أحد نزلاء الإرسالية في منتصف القرن الماضي. 
*حقيقة جاك كريال
صاحب الكتاب جاك كريال أو يعقوب كما كان يدعى بالأبيض كان أحد نزلاء إرسالية الأبيض سيدي الشيخ في مرحلة التكوين واشتغل فلاحا بحديقة الإرسالية وتردد على إرسالية الأبيض خلال عقدين من الزمن قبل أن يتمرد على ثاني رئيس لها ميلاد عيسى ويغادر نظام الإرسالية إلى غير رجعة تاركا حياة الرهبنة إلى الحياة الزوجية فهو ابن الإرسالية الذي سمع ورأى وعرف عنها ما لم يعرفه غيره بما كان يجري في كواليسها من مخططات وصراعات فهو شاهد عيان من داخل الإرسالية وشريك لماسينيون في العلاقة معها زيادة عن كونه معجب بشخصية وبنهج ماسينيون ومهتما بفكره وأثاره لذا كتب ما لم يكتبه غيره عن بعض من جوانب العلاقة بين ماسينيون وإرسالية الأبيض. 
يعد جاك كريال أحد تلامذة لويس ماسينيون المعجبين به وأول كتاب كتبه عن أستاذه ماسينيون هو عبارة عن مجموعة من النصوص والمراسلات كان بعنوان: Louis Massignon L Hospitalité sacrée والملفت للانتباه أن كاتب مقدمة هذا الكتاب هو الأب روني فوايوم رئيس إرسالية الأبيض سيدي الشيخ وهذا يظهر العلاقة الحميمية بين المؤلف ورئيس إرسالية الأبيض الأب روني فوايوم وأستاذهما المفضل لويس ماسينيون ثم أتبع جاك كريال هذا الكتاب بخمسة كتب أخرى ألفها وجمع نصوصها حول ماسينيون هي:
Louis Massignon de Bagdad au Jardin d une parole extasiée
Jardin donné Louis Massignon à la recherche de l Absolu.
Louis Massignon et ses contemporains. 
Louis Massignon au cœur de notre temps.
Louis Massignon la grâce de Bagdad.
لكن يبقى العنوان الأبرز من هذه الكتب كلها هو كتاب لويس ماسينيون في قلب عصرنا Louis Massignon au cœur de notre temps. الذي صدر سنة 1999.
يعد هذا الكتاب من أكثر كتب صاحبه ملامسة بالصورة والكلمة لإرسالية إخوة يسوع الصغار بالأبيض سيدي الشيخ وعلاقة مشروع تكيفها مع السكان في مأكلهم ومشربهم ومسكنهم ومركبهم ولغتهم وتعبُّدهم وهذا بزعامة لويس ماسينيون كتب مقدمة هذا الكتاب الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة المصري بطرس بطرس غالي والكتاب هو عبارة عن مجموعة من المقالات  كتبت عن ماسينيون من طرف عدة كتاب كبار من تلامذته وأصدقائه عبر العالم بالإضافة للكاتب جاك كريال والذي كانت له خمس مساهمات في هذا الكتاب هي:
لويس ماسينيون  وسوريا
لويس ماسينيون وغابريال بولاد
لويس ماسينيون وجمعية شارل دي فوكو
لويس ماسينيون ومسألة التكيف الثقافي بإرسالية الأبيض سيدي الشيخ
لويس ماسينيون وبرنار غويون
وتبقى المساهمة الأبرز لجاك كريال التي كانت بعنوان: 
Louis Massignon et le problème d inculturation de la fraernité d El Abiodh sidi cheikh
والتي تقع ما بين صفحتي 211 و 230.
تساءلت وربما يتساءل غيري عن سبب اختيار صاحب الكتاب لهذه الصورة تحديدا وما سرُّ إقحامها في كتاب يتحدث فيه أكثر من خمسة عشر كاتبا من مستشرقين وإعلاميين ورجال دين وأساتذة جامعيين ومن عدة جنسيات من أصدقاء وتلاميذ ماسينيون يتحدثون عنه في أكثر من عشرين مساهمة ؟ ولو كان الكتاب كله من تأليف جاك كريال وحده تحت عنوان مساهمته السالفة الذكر لكان مُحقا في اختياره لتلك الصورة واعتقد أن الصورة قد تكون مُناسِبةَ أكثر لو اختار لها صاحب الكتاب عنوان كنيسة الأبيض في قلب ماسينيون !. 
لا شك أن ماسينيون كان عرَّاب نظرية التكيف مع المحيط الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والعمراني التي انتهجها نزلاء الإرسالية في بيئتهم الجديدة مع سكان مدينة الأبيض سيدي الشيخ وهذا ما تطرقنا له في هذه السلسلة في عدة حلقات حول ماسينيون وأن ماسينيون يؤمن بنظرية الاختراق الثقافي حسب إدوارد سعيد وحديث جاك كريال عن تكيف الإرسالية مع محيطها الجديد بالأبيض سيدي الشيخ هو حديث شاهد عيان كان يعيش داخل الإرسالية وكنيستها ومن شاهد ليس كمن قرأ فهو شاهد بأم عينيه مبنى الكنيسة كيف كانت مشابهة تماما في مبناها لقبب المدينة المجاورة لها لكنها أكبر قبب المدينة حجما وأعلاهم ارتفاعا لدرجة أن أصحابها كانوا يطلقون عليها وصف: قبة سيدنا عيسى مقابل قبة سيدي الشيخ .
*حقائق خطيرة
تم تصميم بناء الكنيسة و تكييفها بالشكل والأسلوب الذي تبنى به أضرحة المدينة وقببها والمباني الإسلامية المحلية حيث يقام المبنى على شكل مربع تتوسط سطحه قبة عالية تحيط بها أربع قبب صغيرة على الزوايا الأربعة للمبنى بالإضافة إلى أشكال الزخرفة الهرمية والهندسية الموجودة على حواف سطح الكنيسة الأربعة وهذا هو شكل مبنى ضريح سيدي الشيخ تحديدا لأنه توجد أضرحة وقبب أخرى منتشرة بالمدينة لا تحمل هذا التصميم وكما يقول رئيس الإرسالية الأب روني فوايوم أنه أحب وأعجب بشكل وأسلوب قبة سيدي الشيخ !! ( التي فجّرها سلفه العقيد دو نيغريي يوم 15 أوت سنة 1881 ) فحافظ على هذا الأسلوب في بناء كنيسته.
انه رئيس الإرسالية الذي أطلق على نفسه محليا شيخ الخلوة وكتب على بوابة إرساليته اسم الخلوة وأطلق على جماعته اسم إخوان الخلوة Les frères de la solitudes وقال عن كنيسته بشكلها العربي أنها أكبر قبة في المدينة. ولمعرفة جاك كريال لهذا التكيف وغيره اختار صورة قبة كنيسة الإرسالية من الداخل واستغل كتابة مقاله عن دور ماسينيون في تجربة إرسالية الأبيض التكيفية مع السكان ووضع الصورة على غلاف الكتاب.
هذا التكيف تسلح به الإرساليون منذ يومهم الأول وراهنوا عليه بزعامة ممثل ماسينيون بمدينة الأبيض سيدي الشيخ المستشرق لويس غاردي وهو ما يظهر لنا من خلال تقارير هذا الأخير التي كانت ترسل لعدة جهات.
كتب المستشرق لويس غاردي تقريرا عن التكيف بمدينة الأبيض سيدي الشيخ سنة 1936 تحت عنوان الكنيسة والثقافات أي حين كان أعضاء إرسالية الأبيض منهمكين في التكيف مع السكان يقول فيها أن عملية التكيف التي تقوم بها الكنيسة حساسة ومعقدة وهذا ليس حدثا جديدا ففي كل الأوقات كانت الكنيسة تعمل بكل ما تتطلبه الحكمة في تكوين المسيحيين ورجال الدين والأسقفيات المحلية ويواصل غاردي قائلا ولفهم ذلك علينا إعادة قراءة تاريخ كل الفتوحات الكبرى للكنيسة منذ القرون الأولى لها والكنيسة فيما وراء البحر لم تطلب أبدا من أي شعب أن يتخلى عن ذهنيته وخطه الثقافي ويختم حديثه  قائلا والدين المسيحي هو دين عالمي لجميع الشعوب بكل لغاتها وثقافاتها.
يعد جاك كريال أكثر نزلاء ومتكوني إرسالية الأبيض إحاطة مفصلة بتاريخها المعلن وغير المعلن وهو أكثر من غيره علما بعلاقة الإرسالية مع شخصيات عالمية كبيرة كجورج شحاتة قنواتي ولويس غاردي وعفيف عسيران وغيرهم كما انه الأكثر اطلاعا على بعض الوثائق التاريخية التي لم تنشر والتي كتبتها شخصيات إرسالية الأبيض ونزلائها وكانت تسمى ب الدِّيار Diaires وهي عبارة عن مذكرات شخصية يومية كما أنه من القلائل الذين اطلعوا على عشرات كتب رئيس إرسالية الأبيض روني فوايوم التي تتحدث عن إرساليته ونشاطها وتاريخها. 
يتبع..