أمريكا في غزة بين الأفعال والأقوال

  • PDF

بقلم: لطفي العبيدي
منذ اللحظة الأولى للحرب في غزة أعلن بايدن دعمه الثابت والمطلق لإسرائيل على جميع المستويات السياسية والعسكرية والأمنية واللوجستية. في وقت يخشى فيه البيت الأبيض منذ البداية ألا يكون لدى إسرائيل خطة لما سيأتي بعد الغزو في غزة وبالتحديد فيما وراء الهدف المباشر المتمثل في القضاء على حماس ناهيك من أن الحملة العقابية في غزة وعدم وجود نقطة نهاية واضحة تهدد بتأجيج أسوأ أزمة تواجهها إسرائيل منذ 50 عاما ما قد يؤدي إلى حريق إقليمي ستكافح الولايات المتحدة وحلفاؤها لاحتوائه.
هناك فجوة كبيرة أقر بها وزير الخارجية الأمريكي أنتوني بلينكن بين تعهدات السلطات الإسرائيلية بتجنب استهداف المدنيين في غزة والواقع على الأرض. رغم أنّ الإدارة الأمريكية تحث إسرائيل على تجنب استهداف المدنيين أو هكذا تريد أن تبدو منذ أسابيع في سياق الأقوال التي تناقض الأفعال بعد أن أفقدت فعلا إدارة بايدن الولايات المتحدة مركزها الأخلاقي والإنساني أمام العالم برفعها للفيتو أكثر من مرة في مجلس الأمن الذي يطالب أغلب ممثليه بوقف الحرب وتقديم المساعدات وعبر تصويتها ضد قرارات الجمعية العامة.
* الولايات المتحدة لن تتخلى عن إسرائيل
الأمريكيون الذين يتجنبون التشكيك علنا في استراتيجية إسرائيل في الصراع ضد حماس يدركون تماما أن بلادهم غزت أفغانستان عام 2001 بهدف الإطاحة بطالبان لكن انتهى الأمر ببقاء القوات الأمريكية في البلاد لمدة 20 عاما ثم انسحابها منهزمة ذليلة وعودة طالبان للسيطرة على البلاد. لعلهم يخشون أن يكون مصير كيانهم الاستيطاني هو نفسه في محاولاته احتلال قطاع غزة والبقاء فيه رغم حديث الصهاينة في وقت ما أنّ إسرائيل تطمح لإنشاء نظام عسكري مؤقت وتسليم غزة لقوة دولية بعد ذلك. إبادة جماعية عبر التجويع تدركها إدارة بايدن وتساهم فيها رغم انتقادها استخدام التجويع كسلاح مع ذلك هي تدافع عن إسرائيل وتقدم جميع أنواع الأسلحة حتى جوزيف بوريل منسق السياسة الخارجية الأوروبية وأنطونيو غوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة أصدرا بيانات تقول إن إسرائيل استخدمت التجويع كسلاح. حرب الابادة الصهيونية وردة فعل كيان الاحتلال على هجمات 7 أكتوبر لخصها المفكر الأمريكي نورمان فينكلشتاين في 3 مكونات: الأول شهوة للدماء وللانتقام مما حدث في 7 أكتوبر وهو بمثابة التعبير عن حجم الغضب بالنسبة لهم كيف أن هؤلاء البشر الفرعيين في إشارة لحماس فعلوا ذلك. وكيف كان بإمكان هؤلاء ممن هم دون البشر في نظر الصهاينة أن يتفوقوا علينا نحن الخارقين . وهذا ما اعتاد النازيون أن يسِموا به الآخرين دون الإنسان. فصورة إسرائيل في ذهن الإسرائيليين أنها دولة فائقة الذكاء ومتقدمة ولديها أحدث التقنيات. وما حدث هو أن هؤلاء ممن يرونهم دون البشر تفوقوا عليهم لذلك هم ينتقمون الآن. الجانب الثاني أن إسرائيل اعتمدت دائما على ما تسميه قدرة الردع وهذا مجرد مصطلح خيالي يهدف لنشر الخوف في العالم العربي منها وهذا الخوف من إسرائيل ضربته هجمات 7 أكتوبر بقوة. وعلى المستوى الشعبي بدأ الاعتقاد بأن إسرائيل قد لا تكون قوية كما كنا نعتقد وقد لا تكون هي القوة التي لا تُقهر. وربما لدينا خيار عسكري ضدها وبالتالي كان عليها استعادة قدرتها على الردع كي يستمر العالم العربي في الخوف منها. والطريقة التي تحاول بها إسرائيل عادة استعادة قدرتها على الردع هي من خلال ارتكاب مجازر واسعة النطاق في غزة لمحاولة نقل ما تفعله إلى بقية العالم العربي في رسالة مفادها أنك إذا رفعت رأسك عاليا فسنفعل بك ما فعلناه بغزة . أما الجانب الثالث فهو أنه يتم حل معضلة غزة مرة واحدة وإلى الأبد. فقضية القطاع منذ عام 1948 يمثل شوكة في جسد إسرائيل التي قررت عقب هجمات طوفان الأقصى أن الكيل قد طفح ومن هنا تستغل الحكومة الإسرائيلية هذه الفرصة لوضع حد لهذه القضية.
الانتخابات الرئاسية الأمريكية المقبلة 2024 تعد أحد الأسباب وراء تصريحات بايدن الذي أدرك أنه فقد الكثير من شعبيته ورغم أن الناخبين الأمريكيين العرب والمسلمين لا يشكلون سوى نسبة قليلة من مجموع الناخبين فإن هذه النسبة قد تكون كافية في الولايات المتأرجحة لإسقاط بايدن الذي يبدو ملتزما بإرضاء طبقة المليارديرات اليهود للمساهمة في حملة إعادة انتخابه. ومن ناحية أخرى فهو يحتاج أيضا إلى قاعدة الحزب الديمقراطي التي جزء كبير منها معزول وغاضب جدا عليه بسبب موقفه من العدوان على غزة. مرشحو الحزب الديمقراطي فقدوا الكثير من مصداقيتهم بعد تأييدهم لاستمرار الحرب وفرصهم تتضاءل في الانتخابات المقبلة لمجلسي النواب والشيوخ. الكثير من مؤيديهم أعلنوا أنهم لن يدعموهم بسبب ازدواجية المعايير التي تظهر في تعامل الإدارة الأمريكية مع أوكرانيا في حربها ضد روسيا مقابل تعاملها مع الفلسطينيين في مواجهة إسرائيل. 
*الدعم المالي القياسي
وبالتالي ليس بايدن وحده من بات يشعر بالقلق. لم تتردد إدارة الرئيس جو بايدن في تقديم الدعم المالي والعسكري لإسرائيل إذ خصصت 14.3 مليار دولار كمساعدات وأرسلت أكثر من 200 طائرة محملة بالعتاد والسلاح إضافة إلى استخدامها صلاحيات الطوارئ للسماح ببيع ما يفوق 14 ألف قذيفة دبابات لإسرائيل دون مراجعة الكونغرس منذ الأسابيع الأولى للحرب وقد تواصل الدعم إلى يومنا هذا في مشاركة واضحة في حرب الإبادة رغم التصريحات المضللة التي يتفوه بها مسؤولون أمريكيون للتنصل من الجريمة المشتركة. تصرّف خارج القانون الدولي وهناك مسؤولية قانونية وأخلاقية لإدارة بايدن التي تدعم حربا غير قانونية وتستمر في تزويد إسرائيل بالسلاح. والعالم يشاهد آثار هذا السلاح على الأرض: قنابل تسوي المباني بالأرض وقتل بشع ومستمر للمدنيين وحصار للمشافي وارتكاب كل الأفعال الإجرامية واللاإنسانية. نتنياهو الذي يتهرب من المساءلة القانونية نجح في استغلال إدارة بايدن بدعم من اللوبي اليهودي في الداخل الأمريكي ولكن المؤكد رغم كل ذلك أنّ الولايات المتحدة لن تتخلى عن إسرائيل وستبقى ملتزمة بالحفاظ على أمنها القومي بغض النظر عن من يعتلي سدة الحكم في الولايات المتحدة أو في إسرائيل. هما ينسجمان بالمواقف الاستراتيجية والأهداف المتعلقة بالقضاء على حماس. الولايات المتحدة تنافق حينما تحاول أن تظهر للعالم خاصة بعد الامتناع عن رفع الفيتو في آخر جلسات مجلس الأمن أنها تحاول الضغط على إسرائيل لكن الأخيرة ترفض ذلك الضغط وتفعل ما تريد. حتى أقوال الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب بأن على إسرائيل إنهاء حربها على قطاع غزة لأنها تسببت في خسارتها الكثير من الدعم في العالم وأن عليها أن تكون حذرة للغاية فهي تخسر حسب رأيه الكثير من الدعم في العالم وعليهم أن ينهوا الحرب وأن يتقدموا نحو السلام لأنهم يحتاجون إلى مواصلة حياة طبيعية لإسرائيل وللجميع تبقى مجرد دعاية انتخابية لا غير. في الأثناء العرب يتفرجون خاصة دول الجوار فلا يريد الأردن استقبال الفلسطينيين من الضفة ولا تريد مصر استقبال الفلسطينيين من القطاع وهي النقطة الوحيدة التي يناشدون فيها واشنطن عدا ذلك هم ينسقون معها بشكل كامل وهي الداعمة القوية لحرب الإبادة والتهجير.