الجزائريون يحيون رأس السنة الأمازيغية

  • PDF

تقاليد متوارثة وعادات عريقة 
الجزائريون يحيون رأس السنة الأمازيغية

يحيي الجزائريون الليلة رأس السنة الأمازيغية 2971 أو ما يعرف بمناسبة يناير التي تتوحد ولايات الوطن في الاحتفال بها ومهما تنوعت العادات والتقاليد إلا أنها تصب في وعاء إحياء التراث والتمسك بالهوية والأصالة. 
نسيمة خباجة 
يستقبل الجزائريون بعد سويعات السنة الأمازيغية 2971 والتي ترافقها عدة تظاهرات وعادات عريقة عبر الأسر الجزائرية بحيث تنفرد المناسبة بتقاليد خاصة ضاربة في الأعماق لا يتخلى عنها سكان أغلب المناطق. 

باتنة تحتضن الاحتفالات الرسمية 
انطلقت الجمعة الفارط الاحتفالات الرسمية بيناير التي تجري هذا العام على وقع جائحة كورونا من ولاية باتنة تحت رعاية المحافظة السامية للأمازيغية ببرنامج غني بالاحداث الثقافية والفنية.
ويُحتفل سنويا في مختلف مناطق الجزائر بهذا العيد العريق والمشترك لكل شعوب شمال إفريقيا في الـ12 من يناير. وانطلقت رسميا الاحتفالات بيناير يوم الجمعة من عاصمة الاوراس باتنة التي تحتضن هذا الحدث الذي يتواصل إلى غاية 12 يناير الجاري ببرنامج متنوع وثري يشمل حزمة من الأنشطة الثقافية من معارض ولقاءات ثقافية وندوات موضوعاتية تتمحور حول الثقافة واللغة الأمازيغية.
كما يضم البرنامج تنظيم صالون للكتاب والوسائط المتعددة ببوزينة (جنوب شرق باتنة) إضافة إلى ورشة مخصصة للسينما وعرض للمنتوجات الحرفية وللطبخ التقليدي وخصص البرنامج أيضا حيزا للموسيقى والأغاني التراثية التي تعيد للذاكرة الريبرتوار الأمازيغي الغني. كما أعدت المحافظة السامية للأمازيغية فعاليات فكرية منها ملتقى حول الأمازيغية والإبداع الفني خاصة في مجالات السينما والمسرح والموسيقى.
وأكد سي الهاشمي عصاد الأمين العام للمحافظة السامية للأمازيغيةخاصة أن الاحتفال بيناير هذه السنة سيكون تحت شعار احترام الإجراءات الوقائية ضد فيروس كورونا الذي مازال منتشرا في الجزائر وباقي بلدان العالم. وأضاف أنه نظرا للقيود المفروضة على التجمعات بسبب كورونا 19 فإن الاحتفال بقدوم السنة الأمازيغية سيتم على المستوى العائلي بالبيوت كما تنظم في الفضاءات العامة نشاطات متنوعة من قبل الجمعيات والمؤسسات.
و يبقى الاحتفال بـ امنزو انيناير في نظر الامين العام للمحافظة السامية للأمازيغية أكثر من عيد . كما قال حدث لاستذكار ارث جماعي يحمل قيم الاجداد ذات عمق تاريخي ويعكس التضامن والتآزر والعيش معا.

سكان الأطلس البليدي يحتفون بالمناسبة
يحتفل سكان ولاية البليدة وخاصة القاطنين منهم بالقرى الواقعة على مستوى سلسلة الأطلس البليدي وعلى غرار باقي ولايات الوطن بحلول السنة الأمازيغية الجديدة المصادفة لـ12 يناير من كل سنة بإحياء عادات وتقاليد ورثوها عن الأسلاف تعود لقرابة 3 آلاف سنة تعكس تمسكهم بهويتهم الأمازيغية.
وعلى عكس سكان مدينة البليدة القاطنين بالمناطق الحضرية الذين تخلوا عن العديد من العادات والتقاليد التي تميز الاحتفال برأس السنة الأمازيغية الجديدة 2971 بحيث يقتصر الاحتفال ليلة 12 يناير فقط لا تزال العائلات المنتمية للأعراش القاطنة على مستوى جبال سلسلة الأطلس البليدي محافظة على عادات وتقاليد تعود لآلاف السنين وأوضح السيد بن سونة أن جميع الأعراش القاطنين على مستوى سلسلة الأطلس البليدي على غرار السماتة (غرب الولاية) وبني صالح (جنوب غرب) وبني مسعود (جبال الحمدانية) وعرش غلاي القاطنين بطريق الشريعة وبني ميصرة المتمركزين بمنطقة حمام ملوان (شرقا) لا يزالون محافظين إلى غاية الآن على عادات وتقاليد أسلافهم في الاحتفال برأس السنة الأمازيغية والتي تشكل جزء من هويتهم الأمازيغية.
وبحسب ذات المتحدث فإن الاحتفال بحلول يناير الذي يورث من الأب إلى الابن ومن جيل إلى آخر له نكهة ومكانة خاصة لدى سكان هذه المنطقة بالنظر إلى رمزيته التي ترتبط بالإنتماء إلى أرض الأجداد لافتا إلى أن مظاهر الاحتفالات وعلى عكس باقي ولايات الوطن تنطلق ابتداء من اليوم العاشر من شهر يناير وتستمر على مدار ثلاثة أيام.
فالاحتفال بحلول يناير تسبقه تحضيرات عديدة منها إعادة طلاء المنازل وكذا اقتناء أو اني فخارية جديدة بالإضافة إلى تغيير أحجار الكانون الذي يستعمل في طهي أطباق يناير وفقا لذات المصدر. هذا إلى جانب توجه النسوة نحو البساتين والغابات المجاورة لجمع الأعشاب التي تستعمل في طهي عدد من الأطباق التقليدية المحلية.

أطباق تقليدية خاصة.. و التراز سيد المائدة 

عملا بمقولة نهار حشيش ونهار عيش ونهار ريش تقوم ربات العديد من البيوت في اليوم العاشر من يناير بتحضير الأطباق المكونة من أعشاب غابية وخضروات على غرار طبق الحشلاف المطهو بأعشاب الجبل وطبق قطع وارمي و تبيخة المكونان من جميع أنواع الخضر و بطاطا فليو الطبق المفضل لدى البليديين وفي اليوم الثاني يتم تحضير مختلف الوصفات المصنوعة من العجائن على غرار البغرير و الخفاف و المعارك تيمنا بسنة حلوة وكذا طبق الكسكس و البركوكس فيما يجتمع أفراد العائلة كبيرا وصغيرا في اليوم الثالث على مائدة العشاء لتناول الطبق الرئيسي المحضر من لحم الدجاج والعجائن بحيث تفضل أغلبية العائلات البليدية تحضير طبقي الفطاير و الرشتة .
ومن بين التقاليد التي تنفرد بها هذه المنطقة تخصيص نصيب حتى لأفراد العائلة الغائبين لتمنح بعد انتهاء العشاء إلى عابري السبيل أو المحتاجين يضيف السيد بن سونة مضيفا أن حتى الحيوانات يخصص لها نصيبها في صورة تعكس أسمى صور الرحمة والتآزر والتلاحم.
وتجسيدا لهذه القيم الانسانية يضيف السيد بن سونة يحرص الجيران والأقارب على تبادل الأطباق المحضرة بهذه المناسبة التي لا تحلو دون الدراز أو التراز المكون من مختلف أنواع المكسرات والحلويات والفواكه التي تسكب فوق رأس الطفل الأصغر بالعائلة بعد وضعه داخل قصعة (طبق كبير) تيمنا بسنة مليئة بالخير ليتكفل بعدها أكبر أفراد العائلة عادة الجدة بمنح كل واحد نصيبه بالتساوي.

مناسبة لإحياء إرث الأجداد
تعد الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية يناير بقرى ومداشر ولاية باتنة مناسبة للفرح وعيدا سنويا تتجدد فيه الصلة بإرث الأجداد من عادات وتقاليد وموروث ثقافي أصيل يعود لآلاف السنين.
فينار أو أناير كما يطلق عليه ببعض المناطق حسب الباحث في التراث الأمازيغي المحلي الأستاذ محمد مرداسي مازال يحتفظ بأصالته ولم تفرغه العصرنة من محتواه التراثي والثقافي حيث تحرص الكثير من العائلات لاسيما تلك التي تقطن بالمناطق الجبلية على طقوسه التي ظلت تمارس موسما بعد آخر .
فإعداد طبق إيرشمن أو الشرشم (قمح ينقع في الماء ثم يغلى ويصفى لتضاف له كمية من الغرس أو التمر الطري) أو المخلطة (نفس الطبق تضاف إليه كمية من الفلفل الحار) إلى استبدال حجارة الموقد التقليدي الثلاثة وكذا استرجاع كل الأشياء التي تمت إعارتها لتكون في مكانها قبل حلول السنة الجديدة كلها تفاصيل تقول الحاجة حدودة خليف من أعالي قرية نارة بمنعة لها أهميتها في إحياء رأس السنة الأمازيغية توارثتها النساء أما عن جدة حيث تحرص ربات البيوت على استقبالها بأجمل الألبسة والمصوغات الفضية وهن في كامل زينتهن التي لا تكتمل عادة إلا بوضع الحناء والسواك والكحل .
ومن العادات التي ظلت لصيقة بيناير بالجهة تفيد من جهتها السيدة زرفة أو بالة من قرية ثاحبنت بإيشمول هي خروج النسوة في فسحة إلى الحقول لجلب الحشائش والأغصان الخضراء لوضعها على مداخل البيوت التي أعيد طلاؤها وترتيب محتوياتها ونثر القمح المطبوخ في البساتين تيمنا بالعام الجديد وأملا في أن تكون الطبيعة أكثر سخاء وعطاء لأن يناير عندنا مقترن بالفلاحة والأرض .

المرأة عماد يناير  
يبرز دور المرأة جليا في الاحتفالات بيناير بكل منطقة الأوراس بما فيها باتنة بل وما كان لطقوسه أن تبقى صامدة عبر الأجيال لولا إصرار ربات البيوت على نقلها بأمانة وجعل المناسبة عيدا ينتظره أفراد الأسرة بشغف لخصوصيته وتفانيهن في التحضير له وتحرص النساء بالمنطقة حسب السيدة خديجة بريم من ضواحي آريس على أن تكون الاحتفالات بينابر حسب المتعارف عليه حيث تدوم ثلاثة أيام على أن يتميز كل يوم بطقوسه المعهودة والتي تشرف على تنفيذها ربة البيت ويبقى دور الرجل فيها ثانويا إلى حد كبير ويتميز اليوم الأول المصادف للثاني عشر يناير ويسمى (ينار أقذيم) أو يناير القديم وفق المتحدثة ب تجديد كل أو اني المطبخ خاصة الطينية وإنهاء مختلف أشغال النسيج من حياكة المفروشات والزرابي والألبسة التقليدية كالبرنوس والقشابية فيما تتفرغن في يوم الثالث عشر من يناير وهو ما يعرف ب ينار أجديذ أو أثرار لإعداد الطبق التقليدي ليناير (أمنسي نيناير) ويعتمد عادة على اللحم سواء أكان طازجا أو مجففا ومحفوظا بالملح ويسمى محليا أقديد أو القديد.
وتستوجب العادة وفق المتحدثة أن تصاحب عشاء يناير 7 فواكه وخضر تحضر خصيصا للمناسبة عادة ما تتمثل في العنب والتين والبرقوق والمشمش المجففين والجوز والرمان والتمر وغيرها من المنتوجات الموسمية.
أما يوم الرابع عشر من يناير فيتميز عند النساء باستحضار عادة (أسليث نينار) أو ما يسمى بعروس ينار والتي تدور حسب الجدة فافة أو باتة من إينوغيسن حول تزيين فتاة صغيرة بأجمل الحلي الفضية والألبسة التقليدية ثم مرافقتها ضمن مجموعة من نساء القرية أو الدشرة لزيارة الأقارب والجيران كإشارة إلى الفرحة والابتهاج بالمناسبة السعيدة .
أما الرجال فيقومون في هذا اليوم حسب المتحدثة بالتنافس والتمتع بممارسة بعض الألعاب الشعبية المعروفة خاصة منها ثاكورث أو الكرة.
وتتخلل الاحتفالات بالمناسبة خلال الأيام الثلاثة حسب كل منطقة طقوس تتعلق في مجملها بالمرأة والأرض كرمز للخصوبة والعطاء وأمل الجميع أن تحمل السنة الجديدة محاصيل وفيرة وسعة في الرزق.
ويبقى لإحياء يناير بالجهة سحره الخاص الذي يتجلى خاصة في الموروث الثقافي المادي واللامادي الذي يصاحب الطقوس الكثيرة والمختلفة المميزة للحدث وإن كان بعضها يدخل ضمن الأساطير كالمعتقد الشعبي الذي يذهب إلى أن الاحتفال بيناير يبعد الحسد وأذى الدهر.
وعلى الرغم من اختلاف عادات وتقاليد الإحتفال بحلول السنة الأمازيغية الجديدة من منطقة لأخرى إلا أنها تبقى من أهم المناسبات التي توحد الشعب الجزائري حول هويته كونها تعد من ملامح الوحدة الوطنية خاصة بعد إضفاء الطابع الرسمي عليها واعتبارها عطلة مدفوعة الأجر ابتداء من سنة 2018.