مخاوف وتحديات كبرى أمام أي نظام مستقبلي يحكم البلاد

الأحد, 29 أغسطس 2021


تزامنا مع الانسحاب الأجنبي من أرض الأفغان : 
مخاوف وتحديات كبرى أمام أي نظام مستقبلي يحكم البلاد 


بقلم: محمد مصطفى حابس* 


عانت أفغانستان ذلك البلد الجبلي الوعر الذي يفتقر إلى منفذ للبحر لعقود من الحروب والاضطرابات أدت لتدمير اقتصادها وبنيتها التحتية بشكل كامل تقريبا وأصبح العديد من سكانها لاجئين في دول العالم الإسلامي والغربي. 


وكان الغزو العسكري الذي قادته الولايات المتحدة الأمريكية لأفغانستان في عام 2001 قد أطاح بحكم حركة طالبان الذي فرض على الأفغان نمطا متشددا من الإسلام منذ استيلاء الحركة على الحكم بعد الحرب الأهلية التي أعقبت طرد القوات السوفييتية التي غزت بدورها أفغانستان في عام 1979.
ولم تفلح الحكومة المعترف بها دوليا والتي شكلت عقب سن دستور جديد للبلاد في عام 2004 في بسط سيطرتها خارج العاصمة كابول وفي توطيد الوحدة الوطنية.


بعد كل هذه المحن التي عاشها الأفغان عادت حركة طالبان بقوة إلى الساحة الأفغانية مؤخرا بعد عام من المشاورات مع الأمريكان في الدوحة وها هي منذ أيام الولايات المتحدة تبدأ في تنفيذ قرار سحب قواتها من التراب الأفغاني بعد نحو عشرين عاما من دخولها.. 


ويبدو للوهلة الأولى أنه حتى طالبان تفاجأت بنصر سريع ميسر لذا ولكي لا تقع في أخطاءها السابقة فضلت أن تدخل للقصر بروية فضلت التشاور حتى مع أعدائها قادة ومسؤولين من الحكومة السابقة لتشكيل حكومة جديدة فيما تتواصل الاتصالات الدولية لتنسيق المواقف من تنظيم طالبان الجديد الذي يتمركز جغرافيا في مكان استراتيجي دولي.. 


إذ تقع أرض الأفغان وهذا هو معنى التسمية في قلب آسيا الوسطى. وهي المعبر الرئيسي بين دول شرق آسيا وشرق المتوسط الذي يشكل ببحره جسر التواصل الحضاري بين شرق العالم وغربه. 


كل الأرقام والإحصاءات التي سترد في هذه النبذة تقديرية وتختلف المصادر حول العديد من الأرقام: 


فمساحة أفغانستان حوالي 650 ألف كم مربع يسكنها حوالي: 39 مليون نسمة / لا إحصاء رسمي لعدد سكان وآخر تقدير كان 2016 بحوالي 33 مليون. 


أفغانستان دولة داخلية لا تطل على بحر وهذا شأن العديد من الدول في آسية الوسطى 


الحدود الأفغانية: 


تحاط أفغانستان بعدد من الدول وفي معظم الحالات هي محاطة بدول عظمى أكبر منها مساحة وأكثر كثافة سكانية وهذا يجعلها موضع طمع الأقوياء منهم إذ يحدها من الشمال ثلاث دول: طاجكستان - أوزبكستان- تركمانستان ..وهذه الدولة كانت جزء من الاتحاد السوفياتي ..لكي نتذكر الغزو السوفييتي لأفغانستان في سبعينات وثمانينات القرن الماضي.. 


ويحدها من الغرب: إيران - ومن الشرق الصين - ومن الجنوب باكستان . وهكذا نجد أنه حين تحكم الجيوسياسية ستكون باكستان القاعدة الجغرافية والديمغرافية والقبلية والدينية بالنسبة لأفغانستان ..فأمام مطامع السوفييت سابقا - والصينيون والإيرانيون ستبقى معادلة الأفغان محسومة في الاتكاء المتبادل بينها وبين باكستان. 


 


التوزيع السكان: 


 التنوع الأساسي في أفغانستان قبلي وليس دينيا ولا طائفيا فالأكثرية الكبرى من الأفغان حوالي 90 منهم مسلمون أحناف ماتريديون 


9 شيعة جلهم من الهزارة وعنوان الهزارة يحمل عنوانين القبلي والمذهبي ..وسوادهم من الشيعة الاثناعشرية . وفيهم نسبة من الإسماعيليين وباقي السكان ديانات قديمة وهندوس وسيخ أما التنوع القبلي فهو الأكثر تعددا. 


الشعب الأفغاني من الشعوب الآرية مثله مثل بقية شعوب وسط آسية مثل الفرس والطاجيك والأرمن والكرد وغيرهم من الشعوب. وبعض الدراسات تقرر أن منبع العرق الآري الذي يسود الغرب أخيرا والذي قامت عليه العنصرية النازية وادعى الألمان النازيون أنهم خير من يمثله كان من آسية الوسطى. 


وتغلب حياة البداوة والفلاحة على مجموع السكان في أفغانستان ويشكل هؤلاء 75 من سكان أفغانستان كما يشكل البشتون السلالة القبلية الأكبر في أفغانستان حوالي 50 من السكان ويليهم: الطاجيك35 وهم جيرانهم كما ذكرنا في الشمال ثم الأوزبك حوالي 10 وهم أيضا جيرانهم في الشمال. ثم الهزارة وهم 7 وهم امتداد لجيرانهم من الغرب 


وهناك هوامش سكانية صغيرة مثل البلوش والإيماق والتركمان وغيرهم.. 


يعد المجتمع الأفغاني من المجتمعات العشرة الأكثر نموا بشريا حول العالم. وهذا يشكل هاجسا لمنظمات الأمم المتحدة يقلقون من نمو الأطفال على هذه الأرض مع جمال رؤية طفل يحبو ولا يقلقون من تراكم مخلفات حضارتهم في البر والبحر والجو 


ولا تزال الأمية هي السائدة في أفغانستان حتى اليوم وهو تحد سيفرض نفسه على كل النظم التي ستحكم أفغانستان.. 


التقسيم الإداري لأفغانستان: 


تنقسم أفغانستان إلى أربع وثلاثين ولاية ولكل ولاية عاصمتها وتوابعها .. وسأذكر هنا أسماء بعض الولايات فقط: 


العاصمة المركزية: كابل 


قندهار: كانت معقل الملا عمر وحركة طالبان 


بلخ: نذكرها كثيرا بمن ينسب إليها من العلماء ومن الشعراء . ومنهم مولانا جلال الدين البلخي صاحب المثنوي. وقصيدة الناي. ويرفض الأفغاني أن تذكره أمامه بأنه جلال الدين الرومي ويصر على أنه جلال الدين البلخي ومنها هلمند وغزني وخوست وجوزجان وغيرها... 


اللغات السائدة في أفغانستان: 


اللغة الدرية وهي لهجة فارسية قديمة توازي البهلوية السائدة في إيران اليوم 


ثم لغة البشتو وهي وكل لغات المنطقة من أصول آرية كما أسلفنا بينما العربية وأخواتها من الأصل السامي في اللغات العالمية. 


 


تحديات أمام أي نظام مستقبلي يحكم أفغانستان: 


أولا: تحدي القبلية: 


الشعور القبلي طاغ في أفغانستان وهو متغلب على الشعور بالانتماء الديني وحتى الوطني. 


ثانيا: تحدي الجيوسياسية: 
 وقوع أفغانستان بين أربع دول كبرى وطامعة ففي الشمال الروس وراء كل من طاجيكستان وأوزبكستان وتركمانستان وفي الشرق الصين بأطماعها القديمة والمستجدة وإيران بمشروعها الامبراطوري المذهبي والقومي معا ثم باكستان. 


ثالثا: تحدي التنمية وكل أبعاده مثقلة (الصحة والتعليم وزراعة المخدرات): 
تحدي الصحة 8 من أطفال أفغانستان يموتون في سن الولادة الأولى وكذلك أمهاتهم. 
تحدي التعليم حيث لا تزال الأمية هي السائدة بين الذكور والإناث 
تحدي الانتصار على زراعة المخدرات: أفغانستان بلاد جبلية قليلة الأمطار ومواردها الطبيعية على قلتها غير مستغلة لكن وباء زراعة الافيون كدر حياة الناس في مجتمع مسلم. 
 
تحديات أمام طالبان قصد تفويت الفرصة على أعداء وحدة أفغانستان: 


 حقيقة الأمر أن الوصول إلى الحكم أمر صعب بعد سنوات من التضحيات ولكن تحمل مسئولية دولة بها شعب غير متجانس أصعب عشرات المرات وبالتالي يمكن إجمال أبرز التحديات التي تواجه حركة طالبان بعد سيطرتها على أفغانستان في الوضع الراهن في النقاط التالية: 


: 1- ضرورة تفعيل المصالحة الوطنية 
ضرورة تفعيل مشروع المصالحة الوطنية والتفاهم مع الخصوم والمعارضين إذ لا شك أن الاستقرار السياسي أساس لبناء الدولة القوية وإعادة إعمار أفغانستان والتنمية الاقتصادية وبدونه لا يمكن تحقيق الاستقرار في بقية مجالات الحياة فبلد مثل أفغانستان يعيش الحروب والاضطرابات منذ 40 سنة أو أكثر يحتاج لسنين من السلام والاستقرار وتعد المصالحة الوطنية الصادقة والشاملة الضمان الحقيقي لسير البلد نحو الاستقرار. 


2- التحكم بالتي هي أحسن في الملف الأمني: 
استتباب الأمن في كافة أرجاء البلاد خاصة العاصمة كابل التي يسكنها ما يقارب 4 ملايين نسمة لأن الأمن أهم أولوية بالنسبة للمواطنين الأفغان وقد حرموا منه طوال 4 عقود ماضية 


3- ضرورة إقامة حكومة انتقالية: 
إقامة حكومة تدير البلاد في مرحلة انتقالية وتتمتع بقبول الشعب الأفغاني وتمثل المجتمع الأفغاني بتنوعه العرقي والثقافي والجغرافي والمذهبي وتشتمل على أهل الاختصاص والكفاءات ولا تكون الوظائف فيها حكرا على أعضاء وعناصر حركة طالبان. 


4- تهيئة الظروف لدستور أفغاني ويغلق باب الفوضى: 
تهيئة الظروف والمناخ المناسبين لتدوين دستور لأفغانستان يشكل الإطار المناسب لبناء الدولة وقيام نظام سياسي حديث ودائم للبلاد يقود أفغانستان نحو الاستقرار السياسي ويغلق باب الفوضى وعدم الاستقرار في بلد أنهكته الحروب الأهلية والغزو الأجنبي المتكرر. 


5- التعامل المناسب مع تغيرات المجتمع الأفغاني: 
التعامل المناسب والحذر مع الواقع الجديد الذي ظهر في أفغانستان خلال السنوات الـ20 الماضية حيث إن المجتمع الأفغاني اليوم يختلف عما كان عليه الحال خلال فترة حكم طالبان الأول في التسعينيات من القرن الماضي. وتشير إحصائيات غير رسمية إلى أن الشباب يشكلون نحو 60 من مجموع سكان أفغانستان البالغ عددهم 39 مليون نسمة وقد نشأ هذا الجيل في عصر الإنترنت والهواتف الذكية والحاسوب والتلفاز والفضائيات وشبكات التواصل الاجتماعي. 


6- العلاقات الدولية مع الخارج: 
من أبرز التحديات أمام حكومة طالبان هو كيفية التعامل مع ملف العلاقات مع الدول والمنظمات الدولية بصورة توطد الثقة وتبني الجسور ولا تترك مجالا لدفع أفغانستان إلى العزلة والقطيعة مع العالم مثل الذي حصل أثناء الحكم السابق لحركة طالبان حيث لم تعترف بحكومتها إلا 3 دول هي باكستان والمملكة العربية السعودية والإمارات . 


7- الإعلام وحرية التعبير: 
التعامل مع وسائل الاعلام وحريتها وحرية التعبير فلم يعد الأمر كما كان في أيام الحكم الأول للحركة حيث كانت في كل البلاد إذاعة واحدة حكومية وقد غيرت طالبان اسمها من إذاعة أفغانستان إلى صوت الشريعة وأغلقت التلفزيون الرسمي الوحيد ومنعت النساء من العمل في الوظائف الرسمية واليوم وبعد السيطرة الجديدة لطالبان فإن الإعلام في أفغانستان لم يعد كما كان فهناك أكثر من 100 قناة تلفزيونية وأكثر من 150 محطة إذاعية والعشرات من الصحف والمجلات و8 وكالات أنباء ومئات المنصات ومواقع الإنترنت ويتجاوز عدد العاملين في قطاع الإعلام الأفغاني اليوم 10 آلاف شخص (نسبة كبيرة منهم من النساء) كما يبلغ عدد المستخدمين للهواتف الذكية ومواقع التواصل الاجتماعي الملايين.. 




8- تحدي المخدرات يعيق التنمية واقتصاد البلد: 
يعد ملف المخدرات والتعامل معه من التحديات الكبرى لحكم طالبان لأن أفغانستان بعد الغزو الأمريكي صارت أكبر دولة منتجة ومصدرة للمخدرات في العالم وتعد زراعتها مصدر رزق للآلاف من المزارعين وتشكل المبالغ الحاصلة من زراعة وتجارة المخدرات نسبة مهمة من دخل البلاد. 


هذه بعض التحديات التي تواجه الحكومة القادمة في أفغانستان سواء تقود هذه الحكومة حركة طالبان أو غيرها وهل ستنجح حركة طالبان في مواجهة هذه التحديات وتحويلها إلى فرص بإشراك الأفغان الآخرين من أهل الاختصاص والخبرة والتعاون مع جميع مكونات الشعب لدفع عجلات الدولة نحو الأفضل والأرقى والأصوب تأمين وأمانا للجميع .. ذلك ما نرجوه لأشقائنا في الأرض الأفغان أملين أن تسود روح الاعتدال والتسامح المتمثلة في وسطية الإسلام وإقرار الحقوق التي كفلتها الشريعة بعيدا عن الغلو وما ذلك على الله بعزيز. 




*جينيف / سويسرا