المُحَدِّث

الثلاثاء, 09 أكتوبر 2018

بقلم: بروين حبيب
لاحظت في أكثر من لقاء أدبي جمع أدباء من أصقاع العالم العربي أن النظري هو الغالب دائما على المحاضرات المقدمة والأحاديث التي تدور بين الكُتّاب. لا شيء خارج الكتب التي قرئت والآراء التي جمعت ثم في نهاية كل ملتقى أو مؤتمر يختتم اللقاء بخلاصات مكررة لا جديد فيها. تصرف مبالغ ضخمة من أجل تنظيم تلك اللقاءات وبعض الكُتّاب يصرف من جيبه في حالة عدم توفر تغطية لحضوره بدون أن نفهم شيئا من تلك المغامرة هل للقاء أصدقاء أم للاستفادة من المحاضرات المقدمة والندوات المنظمة؟ 
في كل رحلاتي إلى البلدان التي زرتها كنت أحرص على زيارة بيوت كتابي المفضلين ومتاحفهم والبحث في مدنهم عمّا خفي عنّي من معلومات عنهم وقد سجلت الكثير عن تلك الرّحلات أملا في أن أتفرّغ ذات يوم وأخرجها في كتاب لكنني فوجئت دوما بغياب كبير للكتاب والنقاد العرب عن رحلات مشابهة إذ يكتفون بقراءة النظري المترجم للغة العربية أو المترجم في الغالب إلى اللغة الإنكليزية من اللغة الأصل. بشكل ما لا أفهم إصرار كاتب أو ناقد على المشاركة في ملتقى أدبي حول أديب أجنبي بماله الخاص وبورقة لا جديد فيها من باب أنه مختص أو مطّلع على أدبه ولا يصرف المبلغ نفسه على رحلة تقربه من الرجل وتكشف خبايا لا يعرفها؟ يحق لي السؤال لأنني في مرات كثيرة اصطدمت بتعليقات بعض الزملاء عن البذخ الذي أعيش فيه من سفر ورحلات وغيابي عن ملتقيات أدبية مهمة تتحدث حول أدب بعض الرموز. طبعا في زمن مواقع التواصل الاجتماعي وثقافة الصورة المختصرة لا أحد تصله الرسالة العميقة للصورة فبعض الصور يعطى لها تفسير واحد منحصر في شوفة الحال . فهل هذا فعلا ما أقصده من خلال نشر صوري والأماكن التي زرتها على انستغرام مثلا؟
لقد تمنيت دائما أن يصاب المثقف قبل غيره من جحافل المتعلمين في عالمنا العربي بعدوى الفضول وحب الاكتشاف والمغامرة ولكن يبدو أن الأمر صعب أولا لأن سقف المعرفة عندنا منته منذ زمن بعيد ونادرا ما نفتح نوافذنا على الآخر بشكل حقيقي وفعلي وثانيا لأننا نأخذ المعلومة من باب التبعية لهذا الآخر الذي وفّر علينا الكثير من الجهد والتنقيب والتمحيص في الموضوعات كلها. هذه التبعية العلمية أو المعرفية عطّلت ملكاتنا وطاقاتنا الخاصّة إذ أصبحت المعلومة الجاهزة التي تصلنا مثل أقراص الدواء المصنعة في الخارج كافية وافية فنستعملها ليس كمرحلة لفتح باب البحث بل لإغلاقه أحيانا في انتظار ما سيصلنا بعد فترات زمنية قد تكون طويلة. من هذا المنطلق سندرك جيدا لماذا نحن متأخرون. فالهدف العلمي يأتي في ذيل اهتمامات الباحث العربي بعد اهتمامه بحبْك علاقات شخصية جيدة تخدم مصالحه الخاصّة وبعد ترتيبات تثبته في وظيفته وتفسح المجال له ليحصل على مراكز جيدة تدر عليه دخلا جيدا ولا بأس أن يخلد في مكانه ذاك تماما كما حكام بعض الأنظمة التي يتأفف منها.
يتصرّف هذا الباحث أو الدّارس بالوقاحة نفسها التي يتصرف بها مسؤول سيئ في قطاع دولة عربي ولهذا لا تنتهي مآسينا بدءا من هذه النخبة الواعية إلى قاعدة الهرم البائس التي تغرق في عتمتها طبقات مجتمعنا المنسية. فهل ما يهمنا في الأدب هو الأثر القصصي أو الشعري كبناء لغوي؟ أو ذلك الكل الجامع بدءا بالتفاصيل الصغيرة التي رافقت الأديب وكوّنت قريحته إلى أجوائه ومحيطه وبيوته ومدنه؟ 
ألا يثيرنا منبع تلك الموهبة التي انبثقت من شخص عادي؟ لتتحوّل إلى عالم بأكمله عالم مكتظ بأشخاصه وكائناته وأحداثه وأزمانه وأماكنه؟ هناك حتما ظروف معينة تصنع الأدب العظيم الذي يلامس أرواح الملايين؟ ألا يدهشنا على سبيل المثال كيف ابتكر جون رونالد رويل تولكين كاتب سيد الخواتم لغة قبل أن يبتكر خطه الأدبي؟ صحيح أن هوسه باللغات كان عظيما لكن أين الغرابة في ذلك حين نعرف أن لوالدته اليد المباشرة في كل ما حدث له منذ كان طفلا في الثالثة من عمره؟ 
أليست خلفية الكاتب هي الدّافع الأقوى لقراءة أدبه؟ أليست تلك القصّة التي يعيشها بموازاة عمله الإبداعي لها من الأهمية ما يفوق توقعاتنا كونها هي التي أضرمت نيران مخيلته وأنتجت ما يؤثر فينا ويقودنا نحو مسالك مُنقذة لأرواحنا المتعبة. أليس فعل القراءة قائم أساسا على هذا التعلُّق اللامفهوم بسر ما مرتبط بالمكتوب؟ أليس فعلا إنسانيا محضا يعود بنا إلى الطبيعة البشرية التي لا تستكين ولا ترتاح إلاّ بمعرفة ما يدور في محيطها ففي النهاية يبقى المنتوج الأدبي أثرا لا يمكن فصله عن صاحبه كما ادعت بعض النظريات النقدية التي قررت قتل الكاتب واعتبار النص مولودا لقيطا. فهل يمكن اعتبار اللقيط مولودا لا أب له بمجرّد اغتيال الأب وإخفائه؟
إن أي نص هو محادثة بين كاتب وقارئ وقد تبدأ بشكل عفوي تماما كما تبدأ المحادثات بين غريبين يجمعهما سفر كلاهما يفتح موضوعا عاديا جدا مثل حالة الطقس لكن في الغالب فإنّ كل محادثة إنّما تبدأ لكسر الصمت وبلوغ غاية معينة قد تكون معرفة شيء ما أو فقط لكسر الشعور بالوحدة.
محادثات الأسفار تحمل دوما مفاجآت غريبة وهذا ما نجده في كل كتاب نقرأه ينفتح الموضوع على مقدمة بسيطة ثم نعلق في شباك الحكاية قبل الغوص في تفاصيلها لمعرفة النهاية. ومن الغرابة أن النهاية سواء أرضت شهوتنا المعرفية والجمالية أم لا فإنها تثير أسئلة حول الكاتب. ألا يحدث أحيانا أن نتوقف عن قراءة كتاب للبحث عن حياة الكاتب؟ ألا يقودنا الإعجاب برواية لمعرفة كاتبها؟ ثم ألا يحدث أن تصبح معرفة الكاتب في حدّ ذاتها سلاحا ذا حدّين ما قد يضعنا أمام طريقين فقد يوطد علاقتنا بالنص وقد يُنفّرنا منه تماما! ثم ألا يبدو هذا مجحفا في حق الكاتب نفسه؟ فالقراءة المرتبطة بانطباعنا الأول عنه قد تكون حكما قاسيا عليه لكنّها حتما قد تضعه في موضع الاحترام أن توقفنا عند بعض المحطّات المهمة من حياته وجعلناها في الواجهة للترويج لأدبه.
إن ما أردت الوصول إليه هو أن الأدب مثله مثل وجبة صحية نريد أن ننافس بها ما تقدمه مطاعم الفاست فود علينا أن نرى صورة واضحة للمزارع الجميلة التي تشكّلت من منتوجاتها تلك الوجبة لكسب ثقة المستهلك فلا بأس من تنظيم رحلات إلى عالم الكاتب لرؤية خبايا مخيلته وأدوات إبداعه ففي كل ذلك يختفي مذاق نصه الحقيقي.
والخلاصة هي أن الكاتب يجب أن لا ينتهي في مكتبه عليه أن يحمل وليده على كتفيه ويجوب به العالم أمّا ما سبق من أدب فلا يكفي أن نقرأه بحياد كونه محادثة بين شخصين وسيبقى كذلك ولن تكتمل تلك المحادثة ونخرج بنتيجة منها إلا إذا عرفنا محدثنا جيدا وإن لزم الأمر أن نتتبع خطاه من مهده إلى لحده.